شئون دولية

إيران العائدة من العزلة

إيران العائدة من العزلة

لعلَّ من أبرز تداعيات الغزو والحرب والتحرر والاحتواء المزدوج وغير ذلك من غليان سياسي أننا أصبحنا كشعوب خليجية وشرق أوسطية مسرفين أحياناً كثيرة في تحليلنا ورؤيتنا السياسية.. لكننا نعود لنتذكر بأن التعامل مع السياسة وأحداثها وتحولاتها لا يكون إلا بمثل هذا الإسراف في التحليل والرؤية!
ولا نستثني من ذلك، التعامل الأمريكي الراهن مع شيطانها الأكبر أو مع جمهورية إيران الإسلامية!! فالاندفاع الأخير نحو إيران والذي عبرت عنه الولايات المتحدة من خلال تصريح “مادلين أولبرايت” يؤكد وبوضوح أن لا ثوابت في السياسة، ولا مجال للعاطفة في العلاقات السياسية بين الدول!! لذا فإن الولايات المتحدة لم تر في الأمر حرجاً ولم تجد في ذلك الاندفاع المفاجئ نحو إيران أي غرابة أو مفاجأة!! حتى مع ذلك التحول المباغت في المقاييس والأسس التي ترسم سياستها الخارجية وتؤطرها!! فقد تحولت إيران الشريرة والعدوة إلى حليف مهم ودولة صديقة وذلك في زمن وفترة قياسيين جداً!!
وبالطبع فإن هنالك أموراً أخرى كثيرة من وراء الحب الأمريكي المفاجئ لإيران، وهنالك دوافع مهمة تتحكم في دفة السياسة الأمريكية، أهمها على الإطلاق دفع عجلة السلام في المنطقة والدفاع عن أمن إسرائيل وحمايتها!!
ولكن ماذا يمكن أن يعنيه تحول مفاجئ كهذا لنا نحن في هذا الوطن بشكل خاص ولمنظومة الدول الخليجية بشكل عام وشامل!!
لقد انعزلت إيران عن محيطها الإقليمي بعد قيام الثورة الإسلامية في العام 1969، ومنذ ذلك التاريخ ودول الخليج ترى في إيران خطراً يهدد كيانها واستقرارها!! مما دفع بتلك الدول إلى إعلان قيام مجلس التعاون الخليجي في العام 1981 والذي كان من أبرز أهدافه إقامة جبهة على امتداد الخليج لمواجهة إيران ومساندة العراق في حربه ضدها والتي اشتعلت في العام 1980!! وحاول الجميع فيما بعد إعادة بناء المنطقة بدون إيران بمن فيهم الولايات المتحدة الأمريكية التي مارست منذ ذلك الحين سياسة الاحتواء المزدوج!! غير أن ذلك الانغلاق وتلك العزلة لم يغيرا شيئاً من أهمية إيران كقوة إقليمية بارزة في إطار التفاعلات السياسية والأمنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط!! ومن هنا جاءت المبادرة الأمريكية لتحويل إيران من شيطان أكبر إلى حليف أهم!! وذلك بعد أن تأكدت واشنطن أن الحركة في هذه المنطقة الساخنة من العالم لن تكون سهلة دون دور إيراني بارز!!
إذن تأتي المبادرة الأمريكية حاملة رسالة مهمة نتمنى لو أن دول الخليج قرأتها بعناية أكثر واعتمدتها في رسم سياستها الخارجية والداخلية!! فعلى الرغم من مرور عشرين عاماً على إعلان مجلس التعاون الخليجي ومثلها أو يزيد على بروز دول الخليج ككيانات سياسية مستقلة، إلا أنها وبشكل مؤسف لا تملك سياسات خارجية واضحة ومحددة!! فكل ما بحوزة تلك الدول لا يتجاوز ردود أفعال آنية ومؤقتة تجاه أحداث موسمية عابرة!! حيث لا تتوفر لدى دول مجلس التعاون استراتيجيات بعيدة المدى تتعامل مع الأوضاع والواقع الإقليمي بنضج وخبرة!! فهي لم تكن مساهمة أبداً في أحداث المنطقة بالصورة التي يتطلبها حجمها كدول ودورها كتاريخ!! فلقد آزرت العراق وساندته في حربه ضد إيران انطلاقاً من خوفها مما قد تحمله الثورة الإسلامية من امتداد شيعي قد يربك الأمن والنظام في بعض دول الخليج، فلم تكن تلك المساندة والمؤازرة الخليجية للعراق في حربه مبنية على استراتيجية بعيدة المدى والنظر!! وإنما على أحداث مرحلية مؤقتة وقصيرة في أثرها واستمرارها!!
لذا فقد كان من السهل على دول الخليج أن تقلب المعادلة وبسهولة إثر الغزو العراقي للكويت، ليبقى الوضع فيما بعد معلقاً بانتظار حرب أخرى أو تهديد أمني جديد يتغير معه الموقف الخليجي وتنقلب الاستراتيجية الخليجية رأساً على عقب!! وإذا كان التقلب في الموقف الأمريكي مقبولاً أو متوقعاً لأنه ينطلق من الاستراتيجية الأمريكية الشاملة، فإنه ليس كذلك في حالة دول الخليج، التي يستدعي الأمر منها موقفاً محدداً وواضحاً تجاه محيطه الإقليمي سواء كان تجاه العراق أم إيران، لكي يتمكن الجميع من التعامل الحاضر والمستقبلي بصورة أكثر جلاء ووضوحاً. غير أن ذلك وبكل أسف ليس وارداً بعد في استراتيجيات دول الخليج لأنها تعتمد على عنصر المفاجأة وليس الخطة والاستراتيجية وحيث لا يزال الهاجس الأمني يطغى وبصورة مفرطة على كل الرؤى والخطط. فلقد لخص أحد وزراء الدفاع الخليجيين تلك الاستراتيجية الخليجية حين علق على الحرب العراقية – الإيرانية بقوله: “إذا هزم العراق فإن جميع معطيات المنطقة ستنقلب رأساً على عقب. لن نسمح بهزيمة العراق ولا بهزيمة إيران”. فكيف سيتعامل الخليج مع إيران العائد من العزلة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى