
ما إن يبدأ العام الجامعي.. سواء في هذه السنة… أو في غيرها من سنوات عمر جامعة الكويت.. إلا وتبدأ معه صيحات الاستياء والتذمر… من كل شيء في الجامعة… فبخلاف عمليات الهدم والبناء التي لم تتوقف طوال سني الجامعة الفتية… هناك استياء عام من المستوى الإداري والأكاديمي بوجه عام… ليس صادراً عن الطلبة وحسب وإنما كذلك من القائمين على العملية التعليمية.
أولى صيحات التذمر… تبدأ مع أولى الخطوات نحو العام الدراسي… مرحلة التسجيل… والتي قيل فيها الكثير… علماً بأن عملية التسجيل في جامعات أخرى تتم بأحدث الأجهزة ودون الحاجة إلى عملية الاستنفار القائمة الآن في الجامعة.
وإيضاحاً لمن هم بعيدون عن المجال الجامعي… فإن الطالب القادم إلى الجامعة… يخضع لبرامج تنويرية من قبل اتحاد طلبة الجامعة… ومن إدارة الجامعة ذاتها… ثم يقوم بتسجيل المواد التي يرغب في حضورها.. وذلك بإشراف “مرشد”… يقوده خلال عملية الإرشاد هذه.
عملية التسجيل نظرياً.. لا خلاف حولها… وبالإمكان الاستعانة ببعض التعديلات التي قد تقلل من الجهد الكبير المبذول فيها.. هذا إذا ما نحن استثنينا بالطبع المشكلة الأبدية للجامعة.. والتي تكمن في قبولها لأعداد من الطلبة دون أن تكون مهيأة لذلك… سواء من جانب الهيئة التعليمية.. أو أماكن وقاعات المحاضرات، فقد تم مثلاً قبول ما يقارب من ثلاثة آلاف وأربعمائة طالب لهذا العام… مما كان له أثر واضح في عملية التسجيل… وذلك بخلاف الآثار المتوقعة مع دوران عجلة الدراسة.
نعود إلى عملية التسجيل… فنقول أن العملية نظرياً… تحتاج إلى بعض التنظيم لتقنين الجهد… إلا أن الخلل الأكبر يكمن في أسلوب تطبيق عملية التسجيل… فعملية الإرشاد بداية… لا تتم بالشكل المرسوم لها.. فمنعاً لتعارض المواد التي يسجلها الطالب… فإن أول عملية تسجيل للمواد… تتم بإشراف “المرشد”… الذي يستعين بجدول يوضح الساعات الدراسية للسنة الجامعية… إلا أن عملية الإشراف هذه ليست إشرافاً بالمعنى المتعارف عليه… أو الواجب أن يكون… ما يخلق التعارض في جداول الطلبة.. وتبدأ رحلة المعاناة للطالب… والفوضى خلال عملية السحب والإضافة… فهو إذاً ليس خللاً في مفهوم عملية الإرشاد… وإنما فهم خاطئ لدور المشرف الحقيقي… والذي بإمكانه أن يوفر الكثير من الجهد والوقت… أو أن عملية الإشراف هذه تمت بشكل جيد…
ذلك هو الجانب الفني… من عملية التسجيل… أولى خطوات الطالب إلى العام الدراسي… والذي بالإمكان تجاوز سلبياته تلك… بالمزيد من التنظيم… يبقى الجانب الأخلاقي في العملية… والذي هو برأي الكثير من الطلبة والعاملين في الجامعة… مكمن الخلل الحقيقي… والفوضى التي تجتاح عملية التسجيل.
هناك أوقات محددة للتسجيل.. وأيام تخصص للبنين… وللبنات… يتم خلالها تصنيف الطلبة… بحسب عدد الوحدات المجتازة… حرصاً من الجامعة على تحقيق أكبر قدر من العدل في عملية توزيع المواد المطروحة في كل تخصص دراسي وبحيث تحظر أغلب الكليات تسجيل أي طالب في غير الموعد والمكان المحدد لعملية التسجيل إلا أنه وما أن تبدأ عملية التسجيل… حتى تبدأ التجاوزات… ومحاولات الحصول على استثناء الانتظار في طابور الطلبة.. وملء الجدول الدراسي على حساب الطلبة الآخرين.
وقد يكون أكثر ما يثير في عملية التجاوز تلك… أنها تصدر دائماً ممن يفترض بهم تنظيم عملية التسجيل والإشراف عليها.. فما أن تبدأ عملية التسجيل.. إلا وتبدأ معها عملية تبادل الجداول فيما بين المكاتب في الكلية ذاتها… حتى أن بعض الخدمات فيما بين إدارات الكليات أصبحت تستثمر مرحلة التسجيل هذه.
قد لا يرى أحد منا.. أن هناك اختلافاً كثيراً بين ما يجري في الجامعة وما هو قائم خارجها… فتبادل المنافع هو الوضع القائم الآن في إدارات الدولة بوجه عام… وهو الوضع الذي أصبح وللأسف… الطبيعي والمألوف.. حتى لقد أخبرتني إحداهن… عن دهشة أحد المسؤولين الذين قصدوها في خدمة استثنائية… دهشته من رؤيتها تبتسم.. بالرغم من كل التحذيرات التي سمعها عنها… وبكونها إنسانة قاسية ومتعجرفة… ترفض بشدة تبادل الخدمات والمنافع.
نعلم جيداً… أن الوضع في الجامعة… لا يختلف عن غيره إلا أن الجامعة وبكل تأكيد… كمجال علم وتأهيل لدخول المجتمع… ستبقى أكثر من غيرها عرضة للنقد… فإصلاح العلم… وإصلاح المعلم كانا دوماً المدخل في أي عملية إصلاح قائمة… والشكوى التي أصبحت قائمة الآن بحق جامعة الكويت تراجعت عن كونها شكوى من رداءة مبان.. أو مواقف سيارات… إلى كونها شكوى من فساد إداري أصبح يعم.. وانعدام تعاون وتنسيق بين إداراتها المختلفة يئن تحت وطأته الطالب والعامل في الجامعة على حد سواء…
فوضى التسجيل في الجامعة.. والتي سبق ذكرها… ليست إلا واحدة من حالات الفوضى التي أصبحت أكثر ما يميز الجامعة… والتي يعكسها سوء الإدارة القائم… ليس بسبب شُحٍّ في القوانين.. وإنما لأن الجامعة بدلاً من أن تقسم إلى كليات متخصصة… أصبحت تصنف إلى إقطاعيات.. كل تسير بقوانينها.. لا يربط بينها سوى الشعار الجامعي الذي يتصدر أختامها ومراسلاتها!!
