الأرشيف

إعلان دمشق

[جريدة الطليعة 24-30/3/1993]

وإحياء الانتماء العربي للخليج
لقد فجرت كارثة غزو الوطن فيما فجرت قضية الانتماء الخليجي العربي.. وهي قضية كثيراً ما كانت تثير النقاش والجدل.. خاصة في مرحلة المد القومي العربي.. والتي كانت تتهم دول الخليج بالانغلاق عن الواقع العربي.. خوفاً من التأثر بالتغيرات السياسية الجذرية التي عصفت بأغلب الأنظمة العربية آنذاك. ومن كون دول الخليج تنتهج سياسة تقوم على الاستئثار بالثروة النفطية.. والتي كانت وبحسب المفاهيم القومية.. ثروة عربية يستوجب إخضاعها لصالح النضال والتنمية العربية.. إلا أن عملية غزو النظام العراقي للوطن.. قد جاءت مبددة لتلك الاتهامات.. بعد أن جاء التهديد الحقيقي والفعلي لأمن دول الخليج من دولة عربية.. لعبت دوماً دوراً ريادياً في التأكيد على الانتماء العربي القومي.
وفي محاولة لتفادي ذلك الواقع الذي فرضه غزو النظام العراقي للوطن.. والذي ضاعف من شكوك دول الخليج في جدوى الحماية والدفاع العربي.. فقد سارعت الدول العربية التي ناهضت عملية الغزو.. سارعت في محاولة لرأب صدع تلك الجفوة.. ومخاطر إحيائها من جديد.. إلى محاولة التأكيد على أن أمن الخليج هو جزء من الأمن العربي.. وعلى الرغم من أن تلك الدعوة لم تكن دعوة عربية شاملة.. بقدر ما كانت دعوة من الدول العربية التي عارضت عملية الغزو معارضة حقيقية كانت جلية وواضحة في المواقف التي اتخذتها إبان تلك الفترة. إلا أنها نجحت وإلى حد ما في صياغة مفهوم للأمن العربي الخليجي.. جسده إعلان دمشق الصادر في فبراير عام 91.
لقد جاءت محاولة كل من مصر وسوريا من خلال مشروع إعلان دمشق كحجر زاوية لطرح قضية أمن الخليج من منظور عربي.. خاصة بعد أن سيطر المفهوم الغربي والأمريكي على كل التفاصيل العسكرية لإنهاء عملية الغزو.. وأصبح من الواضح أن يمتد المفهوم الغربي والأمريكي ليشمل القضايا الأمنية فيما بعد انتهاء العمليات العسكرية. لذلك فقد أكدت صيغة إعلان دمشق الذي صدر رسمياً في السادس من مارس عام 1991 على “العمل على بناء نظام عربي من أجل تعزيز العمل العربي المشترك واعتبار الترتيبات التي يتم الاتفاق عليها بين الأطراف المشاركة بمثابة الأساس الذي يمكن البناء عليه من أجل تحقيق ذلك، وترك المجال مفتوحاً أمام الدول العربية الأخرى للمشاركة في هذا الإعلان في ضوء اتفاق المصالح والأهداف.
وإذا كان إعلان دمشق والذي جاء كمحاولة من بعض الدول العربية “مصر وسوريا” لتأكيد الالتزام العربي تجاه الأمن الخليجي.. خاصة مع رفض أغلب الدول العربية على المشاركة فيه.. بل ورفضها أساساً معارضة الغزو العراقي للوطن.. إذا كان ذلك قد استطاع أن ينشأ في ظل الظروف النفسية التي صاحبت فترة الغزو.. تلك الظروف التي حاولت ترجمة مشاعر الامتنان التي تكنها دول الخليج للموقف السوري والمصري.. وذلك بإصدارها بياناً في 16 فبراير 91.. تضمن الإعلان عن وثيقة للتعاون فيما بينها تحمل اسم إعلان دمشق بشأن التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون ومصر وسوريا.. إلا أن ذلك الإعلان سرعان ما تراجع في أعقاب إنهاء الخطر العراقي بينما كانت مصر وسوريا تعدان المقترحات التي سيتضمنها إعلان دمشق.. حدث تراجع في مواقف الدول الخليجية.. كانت أولى دلالاته عدم تقيد دول الخليج بتواجد عسكري فعلي سوري ومصري فوق أراضيها وإنما بالاكتفاء بمبدأ إمكانية استعانة كل من الكويت والسعودية.. بالقوات السورية والمصرية.. في حالة الحاجة إلى ذلك.. على الرغم من أن جوهر إعلان دمشق “يعتبر أن القوات المصرية والسورية على أرض المملكة العربية السعودية، ودول عربية أخرى في منطقة الخليج، تلبية لرغبة حكوماتها بهدف الدفاع عن أراضيها.. تمثل نواة لقوة سلام عربية لضمان أمن وسلامة الدول العربية في منطقة الخليج.. ونموذجاً يحقق ضمان فعالية النظام الأمني العربي الدفاعي الشامل”.
وفيما يرى البعض أن الأسباب الرئيسية وراء فشل مشروع إعلان دمشق.. تكمن في استثناء الدور الإيراني في قضية الأمن الخليجي.. خاصة بعد المعارضة الشديدة من جانب إيران لإعلان دمشق والتي رأت أن أمن الخليج هو شأن الدول المطلة على الخليج.. وأنه لا يجب إشراك دول عربية غير خليجية في صياغة مفهوم الأمن الخليجي.. ففي حين يرى البعض أن ذلك سبب جوهري للتراجع عن مبادئ إعلان دمشق.. فإن البعض الآخر يرى في ذلك استمراراً لعدم الثقة في القدرات الدفاعية العربية.. والتي ضاعف منها كون الخطر القائم خطراً عربي المنشأ.. كثيراً ما تم استبعاد وقوعه.
إن ضمانات الأمن الدولية التي حصلت عليها دول الخليج في أعقاب حرب الخليج الثانية.. بكل سلبياتها.. وبكل ما تعنيه من إعادة للسيطرة الأجنبية والنفوذ الغربي في المنطقة.. ستبقى في موقع منافس لأي ضمانات عربية.. وذلك لكونها صادرة عن دول تتمتع باستقرار سياسي.. تقل معه فرصة التغير الجذري في مواقف وسياسات تلك الدول تجاه دول الخليج فالدور العسكري.. سواء من حيث التواجد المباشر.. أو اتفاقيات الحماية التي قد تقوم بها دول عربية كمصر وسوريا.. ستفتقد دوماً للمصداقية.. والفاعلية.. طالما لم يساندها استقرار اقتصادي.. وتطور ديمقراطي.
فالواقع السياسي لمصر وسوريا.. لا يختلف كثيراً عن دول الخليج.. من حيث عدم الاستقرار.. وإمكانية التحول الجذري والذي قد يكون له تأثيره المباشر في الكثير من القرارات التي جاءت بضمانات دولية كمسألة ترسيم الحدود العراقية والكويتية.
إن القدرات العسكرية والدفاعية التي تملكها كل من مصر وسوريا قد تشكل خطراً.. وتصبح مصدر قلق.. إذا لم تتوجه قدرات اقتصادية فعالة.. ومفاهيم ديمقراطية راسخة في كلتا الدولتين.. لذلك فإن إعلان دمشق.. ومن الناحية النظرية فقط يحوي إغراءات لحماية الانتماء الخليجي العربي من الانهيار.. إلا أن الفجوات التي يحويها كل من النظام السياسي المصري والسوري تجعل من إعلان دمشق.. مشروعاً موقوفاً من الناحية العملية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى