شئون عربية

إعلام الخنادق!!

جريدة الطليعة 13/1/1999

تتحدث السيدة المصرية العجوز بذهول عن ضحايا العنف الصدامي من المصريين، فتتحسر على أهالي وذوي الخمسة آلاف مصري الذين أرسلهم صدام حسين بأكفائهم إلى وطنهم!! وتمضي في ترحمها على تلك الأرواح، راجية من الله أن يصبر أهلهم بخاصة أننا في شهر فضيل ومقبلين على موسم عيد وبهجة!! وحين أخبرتها أن أحداث النعوش المصرية الطائرة، قد مضى عليها أكثر من عشرة أعوام، تساءلت بدهشة عن دوافع الحديث عن تلك الكارثة الآن فقط!! والشيء نفسه حدث في الكويت بعد الغزو، حين فوجئ المواطن هنا بذلك الكم الهائل من المعلومات حول طبيعة وحقيقة (القائد الضرورة)، ومذابحه، وديكتاتوريته وطموحاته الجامحة والشريرة، ومجازره بحق الأكراد وغيرهم من أهله وناسه!!

كلا المثالين، المصري والكويتي، يعكسان ولا شك خللاً في الإعلام العربي، يتعين معه ضرورة إعادة نظر جادة في السياسات الإعلامية العربية بشكل عام!! فعلى الرغم من كل مظاهر الامتنان والتقدير اللذين عبر عنهما المواطن والشارع الكويتي تجاه الهجوم الإعلامي المصري على نظام بغداد وحاكمه، إلا أن هنالك تحفظاً يحمل تساؤلاً حول أسباب ودوافع إثارة مأساة “النعوش الطائرة” الآن!! وهو التساؤل نفسه الذي حمله المواطن الكويتي في أعقاب الغزو عن مذبحة قرية “حلبجة” الكردية!!

لقد أصبح الإعلام العربي وفي ظل الامتداد الإعلامي العالمي، والتطورات التكنولوجية التي وحدت العالم وجعلته أشبه بالقرية الصغيرة، إعلاماً ضعيفاً لا يحمل مصداقية وانتشار الإعلام العالمي!! مما أدى إلى تراجع ثقة المواطن فيه، واعتماده على مصادر أخرى في البحث عن المعلومات والحقائق!! والآن، والعالم العربي بأجمعه يقف في مواجهة تحديات كثيرة تتناول جغرافيته، وهويته، وحقوقه السياسية والاقتصادية، وأمنه السياسي، ومستقبله الاقتصادي، يتعين عليه أن يعيد بناءه الإعلامي بصورة تمكنه من منافسة أجهزة إعلامية كثيرة، وكسب الرأي العام العالمي بما يتعلق بقضاياه ومشاكله!! إن الإعلام الذكي هو تماماً كالقنابل الذكية ذات الأزرار والتحكمات الإلكترونية، تدمر الهدف من دون أن تثير أو تمس الأطراف المجاورة له وذلك هو سر الاختلاف بين إعلام الغرب، والإعلام العربي!! فإعلامنا يدمر كل شيء ويخطئ الهدف، وكما هو الحال في نهج وسياسة محطة “الجزيرة” مثلاً، والتي تدمر العلاقات العربية، والوعي العربي، والأنظمة السياسية العربية، وتشكك في الذمم كلها والنوايا جميعها، ليبقى صدام حسين وحزب البعث الحاكم في بغداد فقط بمعزل عن هجوم الجزيرة الشرس وعن أبواقها الإعلامية!! لقد كان للإعلام دور ريادي في إدارة المعارك السياسية والعسكرية، وهو دور لا يزال الإعلام يتمتع به، وإن كان قد تضاعف اليوم بفضل عجلة التكنولوجيا، لأن مدى السلاح الإعلامي هو أبعد وأقصى من السلاح العسكري!! غير أننا وللأسف الشديد لا نزال أسرى السلاح الإعلامي التقليدي والذي جعل العرب في عام 1967 أسرى زهوة انتصاراتهم على العدو الصهيوني، قبل أن يلتقطوا خبر احتلال الأراضي العربية في الضفة، وسوريا ومصر، وذلك عبر الإذاعة الإسرائيلية، وهو ما زرع الشك من يومها في وعي الإنسان العربي تجاه أجهزته الإعلامية وجعل من الخبر الذي لا تبثه إذاعة لندن أو صوت أمريكا خبراً مشكوكاً في صحته!!

نحن لا نقول هنا إن الإعلام الغربي هو إعلام صادق ونزيه، فأي إعلام لا بد أن يحمل هدفاً ويخدم قضية أو فكراً أو حتى أشخاصاً!! وإنما نقول إن هنالك تحولاً عالمياً نحو أسلحة إعلامية غير تقليدية، بينما لا يزال الإعلام العربي يمارس حروب الخنادق.. ويقاتل القنابل الذكية ببندقية صيد!!

الطليعة: 13/1/1999

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى