
من الأمور المثيرة للاستغراب وللاستياء في آن واحد.. أن أكثر ما أضعف الموقف العربي في مسيرة التفاوض العربية.. الإسرائيلية.. هو المتفاوض العربي ذاته.. حيث عزز تباين المواقف العربية.. من قدرة الطرف الإسرائيلي على المراوغة والتراجع.. إضافة إلى تمكينه من إملاء شروطه. فكانت الجبهة العربية. والتي بدت متماسكة في أولى خطوات السلام في مدريد.. كانت تتهاوى مع كل إعلان أو خبر عن اجتماع سري بين أحد الأطراف العربية وإسرائيل. ومما لا شك فيه.. أن الدول العربية كافة.. كانت تدفع ثمن ذلك التراجع في الموقف العربي. فالمنظمة لم تدفع وحدها فقط ثمن تضاؤل طموحاتها في عودة الأرض الفلسطينية. وإنما تدفعه سوريا ولبنان والأردن.. من خلال التعنت الإسرائيلي فيما يخص مشاكل الحدود المشتركة.. وتدفعه الدول العربية الأخرى من خلال الشروط التي أصبح يفرضها المجتمع الدولي بزعامة النظام الدولي الجديد.. وذلك بغرض تسهيل التعامل الاقتصادي الإسرائيلي مع دول المنطقة. وإلغاء الحصار والمقاطعة العربية للبضائع والمصانع الإسرائيلية. إذن لم تدفع المنظمة وحدها ثمن حساباتها الخاطئة أو المتواطئة مع الصالح الغربي والإسرائيلي.. وإنما يدفعه الجميع.. وسيجني الجميع ثماره مستقبلاً.
في الأسبوع الماضي.. عرض تلفزيون قطر الرسمي أول حلقة من حلقات مسلسل “الحصار”.. والذي يتناول (معاناة) الشعب العراقي تحت الحصار الدولي.. وهذه ليست المرة الأولى التي تبدو فيها العلاقات القطرية العراقية طبيعية وتأتي خلافاً لموقف دول مجلس التعاون الخليجي في أعقاب اجتياح الوطن في أغسطس 1990.
فقد سبق وأن عادت العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين الدولتين من قبل.. هذا بالإضافة إلى أمور أخرى.. اتسم التعامل فيها بين البلدين بأسلوب ودي وطبيعي.
لا أحد ينكر أن أموراً كهذه.. هي من حق قطر وحدها.. وأن عودة العلاقات مع نظام بغداد هو من الخصوصيات.. والشؤون الداخلية لدولة قطر.
إلا أن الظروف التي تعيشها منطقة الخليج خاصة في أعقاب غزو النظام العراقي.. وتهديده لدول الخليج كافة وليس للكويت فقط.. هي ولا شك ظروف يتطلب تجاوزها.. أولاً توحيد الموقف الخليجي خاصة تجاه استمرار قدرة النظام العراقي على البقاء.
قطر نالها ما نال الوطن من تهديد.. وإن كان العامل الجغرافي.. قد أبعدها عن همجية الاجتياح.. والجندي والمواطن القطري.. دفع من ماله ومن دمه ما دفعه أشقاؤه في سبيل ردع نظام بغداد.. وتكبدت قطر أكبر الخسائر البشرية وذلك في معركة الخفجي التي نشبت في ثاني أسابيع حرب تحرير الوطن.. أما فيما بعد الغزو والحرب والتحرير.. فقد اشتركت قطر مع دول الخليج في الاتفاقيات الأمنية.. حيث اضطلعت كل من البحرين وقطر بمسؤولية تغطية الجانب البحري من الترتيبات الأمنية.. وإيواء مراكز القيادة الرئيسية للقيادة المركزية.. وحيث تستخدم الموانئ البحرينية والقطرية كنقط ارتكاز بحرية لقطع الأسطول الأمريكي العاملة في الخليج كجزء من الترتيبات الأمنية.. كما تستخدم القواعد الجوية والمطارات في الدولتين لصالح القوات الجوية الأمريكية والإنجليزية والفرنسية.
لا شك أن دولة قطر في محاولتها الخروج عن حظيرة الدول الخليجية الأخرى وذلك بانفرادها بعلاقات طبيعية مع النظام العراقي.. هي بالتأكيد محاولة لإخراج الخلافات الخليجية إلى السطح.. فخلافات دول الخليج فيما بينها مسألة لها جذورها في تاريخ المنطقة.. وما محاولة الاتفاق من خلال تشكيل مجلس التعاون الخليجي في أعقاب مؤتمر الطائف لوزراء الخارجية للدول الخليجية في فبراير 1981، إلا محاولة ظاهرية أكدت فشلها في تحقيق أي تقدم على نطاق الوحدة الخليجية، وذلك لعدم حسم الخلافات القائمة بين الدول الخليجية أصلاً وكمرحلة أولية وأساسية تسبق أي تعاون أمني أو اقتصادي أو سياسي.
لا أستطيع.. كما لم يستطع غيري.. أن يبرر الموقف القطري من محاولته التقرب وإعادة العلاقات مع النظام في بغداد بغير ذلك، وهذه بكل تأكيد ليست دعوة لتبرير الموقف القطري من التقارب مع النظام العراقي.. خاصة مع استمرار بقاء صدام حسين الذي نبذه المجتمع العراقي قبل المجتمع العربي والدولي.. وإنما هي محاولة للخروج بتحليل منطقي للدافع الذي أدى بقطر للخروج عن منظومة دول الخليج.. خاصة في قضية هي في عمق الأمن الخليجي والاستقرار المستقبلي لدول المنطقة. ففقدان الأمن في الكويت هو عامل لا شك يؤثر مباشرة على أمن المنطقة بما فيها دولة قطر.
لقد أدرك الغرب.. بقيادة الولايات المتحدة.. صعوبة عزل أمن جزء من الخليج عن بقية المنطقة وترجمت ذلك الإدراك بإبرام اتفاقياتها الأمنية مع كافة دول الخليج سواء تلك الموجودة على حافة منطقة الخليج وحولها.. أو دول الخليج نفسها. وهو أمر لم يغب عن دول الخليج ذاتها.. غير أن إخفاقها في حل خلافاتها التاريخية.. خاصة ما يتعلق منها بقضايا الحدود. أقام تعاوناً هشاً سرعان ما تؤثر فيه أقل الخلافات.
لا شك أن الهاجس الأمني لدول الخليج قد تضاعف ومنذ نهاية السبعينيات لأسباب عديدة. منها الثورة الإيرانية وقضية تصدير الثورة.. ثم الحرب العراقية – الإيرانية.. وأخيراً اجتياح الوطن.. واستمرار ديكتاتورية النظام العراقي في السلطة.. وقد كان رد الفعل الوحيد لدول الخليج تجاه هذه المخاطر.. هو في إقامة مجلس التعاون الخليجي الذي لا يزال أعضاؤه يعيشون المشاكل التي زرعتها الإمبراطورية البريطانية حين حكمت المنطقة في بداية القرن.. بهدف السيطرة على الملاحة والتجارة في الخليج.. الآن وقد جاء النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة.. وتغيرت دوافع التواجد الأجنبي من طرق بحرية ومسالك استراتيجية إلى بترول وثروات معدنية. هل نطمح بأن تساير دول الخليج تيارات التغيير من حولها. وتعود لإصلاح خلافاتها التاريخية.. قبل الجلوس حول مائدة واحدة! لا يتصور أحد منا أن بالإمكان الخروج بحل آخر.. يقود إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً لنا جميعاً..
الطليعة 23/2 – 1994/3/1




