إرادة أرنون الشعبية

إرادة “أرنون” الشعبية!!
يشك الكثير في جدوى المعالجات السياسية والحلول الدبلوماسية وفعاليتها في حسم بعض أشكال الصراعات، خصوصاً ذات الطابع العرقي أو الطائفي!! ويستند هؤلاء في شكوكهم تلك على براهين وقرائن من التاريخ البشري المعاصر فالدبلوماسية والحلول السياسية فشلت في حسم أشرس صراعين تعايشهما الشعوب البشرية حالياً!! الصراع العرقي والطائفي الذي يشعل يوغسلافيا السابقة، والصراع الحضاري الإسرائيلي – العربي والذي لم تخمد نيرانه يوماً!!
دبلوماسية حل الصراع العربي – الإسرائيلي، لم تبدأ من تاريخ توقيع معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية، في عام 1978، ولا من مؤتمر مدريد في عام 1991!! بل كانت لها بدايات سابقة كثيرة، أعلنت عنها المذكرات (السرية) لبعض الرؤساء والزعماء العرب، مما يؤكد أن لا اختلاف سياسياً جوهرياً بين الأنظمة السياسية العربية وبين الكيان الصهيوني، غير أن هنالك تصادماً وصراعاً وتنازعاً في البنية الحضارية للمجتمع العربي بشكل عام تجاه كل الاستفزازات الإسرائيلية!! لذا فإن كل المحاولات العربية للصلح مع إسرائيل لم تتعد الواجهة الدبلوماسية والسياسية!! بدليل أن أول مشاريع الصلح العربي – الإسرائيلي المعلنة، والتي جاءت في المشروع المصري – الإسرائيلي لم يتجاوز أثره الطاولة التي جمعت يومها بيغن والسادات، وكارتر!! فلا يزال المجتمع المصري رافضاً لأية محاولة للتطبيع، ولا تزال الزيارات المصرية لإسرائيل، سواء أكانت رسمية أم شخصية تتم بسرية وتكتم!! ولا يزال الشارع المصري يرى في إسرائيل عدواً يتعين مجابهته!! ولا تزال الصحافة والأقلام المصرية الوطنية تدافع عن الحق العربي المغتصب من قبل إسرائيل!! وسواء أكان في مصر، أم في غيرها، فإن الإرادة الشعبية كانت دوماً هي الأقوى والأكثر فاعلية!! وما أحداث “أرنون” تلك البلدة اللبنانية الجنوبية سوى واحدة من تلك الصور الناطقة بقدرة الإرادة الشعبية وصداها في نصرة الحق، وتحقيق العدالة!!
لقد تراجع الحق العربي في كل مكان على الخارطة العربية، حين أفل صوت الإرادة الشعبية، بصورة أصبحت معها دفة الصراع تدار بعقول وضمائر لم يسحقها الاستبداد الإسرائيلي، ولم تشتتها آلة السلاح الصهيوني، ولم تطحنها سجون ومعتقلات الكيان الإسرائيلي!! وسيطرت دبلوماسية الحل العربي الإسرائيلي بصورة أفقدت الزعامات العربية الرؤية البعيدة لما يتعلق بشروط ومتطلبات السلام والاستقرار!! وبحيث أصبحت بعض تلك الزعامات مساهمة بشكل مباشر في قمع الإرادة العربية الشعبية!! وأصبح معها “سليمان خاطر” المواطن المصري الرافض للاستسلام العربي لإسرائيل، (مجنوناً ومعتوهاً) بنظر صُناع السلام ورواده!! وأصبحت سلطة “عرفات” الذاتية تستنزف من الدماء الفلسطينية ما قد يغفله النظام الإسرائيلي!!
إن أسباب تعثر مشروع السلام العربي الإسرائيلي، تكمن في ذلك الاستثناء الواضح للمواطن العربي، ومن تجاهل مشرعي السلام لمدى وأهمية الإرادة الشعبية، ودورها في أي مشروع، سلمياً كان أم عسكرياً!! ولقد فشل مشروع السلام العربي – الإسرائيلي لتلك الأسباب، بالإضافة إلى افتقاده لمقومات السلام الحقيقي والتي أهمها العدالة، والمساواة في المصالح والحقوق!! فالمشروع بأكمله لم يستطع أن ينزل إلى صفوف الشعوب، وبقي معلقاً ومقتصراً على أنظمة الحكم السياسية!! ولم يحقق أدنى درجات العدالة والإنصاف للمواطن بشكل عام!!
لقد عبرت جماهير الطلبة والمواطنين من “أرنون” عن دور الإرادة الشعبية المهم في إحداث التغيير، وفي فرض شروط السلام، والحرية!! وعندما أزالت جموع الجماهير اللبنانية الغاضبة حواجز وأسلاك الاحتلال الصهيوني أزالت معها كذلك حواجز نفسية أخرى كثيراً ما شككت في جدوى وفاعلية العمل الشعبي!!
لقد ترجمت جماهير تحرير بلدة “أرنون” جملة شهيرة، قالها يوماً الرئيس المصري جمال عبدالناصر “إن ما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة” وإسرائيل احتلت الجنوب اللبناني بالقوة، والجولان السوري بالقوة، وأرض فلسطين بالقوة، والقدس بالقوة!! مما يجعل الحديث معها حول السلام حديثاً خاوياً لا معنى له ولا أثر!!
لقد استطاعت الإرادة الشعبية الكويتية أن تبطل مشروع صدام حسين بضم الكويت، وبفضل تلك الإرادة، استطاع الوطن أن يبقى وأن يستمر وأن يصمد!! وها هي الإرادة الشعبية اللبنانية، تطلق درساً آخر من دروس الوعي بأهمية وفاعلية تلك العفوية الغريزية تجاه كل ما هو خطأ، أو خطر، أو غير عادل!! فهل توقظ فينا إرادة “أرنون” الشعبية تلك المشاعر والأحاسيس الوطنية المتأججة!!
