الأرشيف

إذا صحت النوايا.. فليتزوج الدعاة ابنة الأربعين

[جريدة القبس 19/3/1992]

اللجنة الخيرية التي أقامها تسعة من “الأخوة” في الله.. للمساهمة في تسهيل الزواج في الكويت تعتبر نموذجاً صارخاً لعجزنا كمجتمع إسلامي عن فهم أعماق وأبعاد ديننا الحنيف.. ومثلاً صادقاً على إخفاقنا في إدراك مفهوم الإسلام للمجتمع البشري.
الإسلام هو أكثر الأديان السماوية التصاقاً بالمجتمع البشري.. فهو دين يقوم على أساس أن المجتمع البشري أمة واحدة.. وأن الناس جميعاً مهما اختلفت أجناسهم.. وتباينت صفاتهم.. فهم أخوة تربطهم مشاعر الإنسانية ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡﵞ ﵝالحُجُرَات : ﵓﵑﵜ F وانطلاقاً من هذه النظرة الحكيمة العالية.. فإن أحكام الدين الإسلامي تقوم على تنمية الروح الاجتماعية الإنسانية.. وتقوية الروابط بين أفراد المجتمع.
وفي ظل هذه النظرة الشاملة للمجتمع ككل.. جاءت نظرة الإسلام للمرأة فكرمها.. وأعطاها من الحقوق.. ما لم تعطه كل المواثيق والنصوص الدولية في زمننا الحاضر.
وبعيداً عن متاهات الإلحاد والإيمان.. والجدل حول ما أجازه الإٍسلام للرجل وما لم يجزه.. وبعيداً عن كل الموضوعات المعقدة الشائكة التي حاول البعض استدراج الناس إليها من خلال معالجات سطحية ومشوهة للأمور الدينية.. فإننا نستطيع أن نقول أن علماء الإسلام لم يستفيدوا من دراسة التنظيم الرائع الذي سنه الإسلام للمجتمع البشري.. ولم يقدموا بعد وجهة نظر الإسلام الواضحة في تحليل المجتمعات البشرية.
وليسمح لي “إخواني” أن أضع بعض النقاط على حروف إغراءاتهم التي أدرجوها في دعوتهم تلك.
لقد حدد دعاة الزواج الثاني هدفهم الأساسي من وراء دعوتهم.. وهو الحد من انتشار العنوسة في المجتمع الكويتي.. وأود أن أوضح هنا أن أغلب إن لم يكن جميع حالات الزواج الثاني.. يكون الطرف النسائي فيها أصغر بكثير من أن يكون مهدداً بالعنوسة.. حيث إنه دائماً ما يكون السن دون العشرين.. وهي سن علم وعمل.. ولا أتصور أن فتاة العشرين تعتبر عانساً بعد!! فإذا كانت النوايا وراء حفظ المجتمع صادقة حقاً.. فلماذا لا يتزوج هؤلاء الدعاة من فتاة الأربعين.. والتي تكون فرصتها في الزواج في مجتمعنا أقل بالفعل!! عند هذا فقط.. عندما يتزوج هؤلاء ممن تضاءلت فرصهن للزواج بمفهوم مجتمعنا.. يمكن القول بأن الدعوة للزواج الثاني متماشية مع أهداف اللجنة الإصلاحية فعلاً.
كما أعلنت اللجنة كذلك في بيان تأسيسها أنها ستقدم لراغبي الزواج مساعدات مالية وعينية.. عن طريق إعطاء كل راغبي الزواج من المحتاجين زكاة مال في حدود الألف دينار كحد أقصى. وهو أمر يستدعي التطرق إليه من جانبين. الجانب الأول أن مفهوم تكوين الأسرة لا يعني المقدرة المالية فقط. بل يعني الاستعداد لتحمل المسؤولية.. والرغبة الصادقة في تكوين الأسرة.. والنضج الكافي.. ولا أعني النضج العقلي.. لفهم الدور المطلوب من كل الطرفين في المؤسسة الأسرية. أما الجانب الآخر.. فهو جانب معنوي أكثر من كونه مادياً.. فمن ذا الذي سيرضى بأن يكوّن أسرة.. وينشىء أطفالاً على صدقة وزكاة!! فالرجل الذي سيسدد أقساط الزواج الأولى من مال الزكاة.. كيف سيأخذ على عاتقه مسؤولية أكثر من أسرة واحدة. أما المرأة التي ستقبل بعطاء اللجنة الخيرية.. فإن قبولها سيكون على أدنى قدر من الاستقرار الأسري.. وهو الاستقرار المادي.. والذي لا يعتبر بأي حال من الأحوال أساساً لاستمرار الحياة الأسرية.. فخدمات وصالات الأفراح.. وتأمين مستلزمات المطبخ بما فيه من أوان، لا يعني بالتأكيد حياة أسرية ناجحة!!
وإذا كانت الشريعة الغراء قد قدمت أحد الحلول المثلى لمشكلة العنوسة وهو التعدد.. فقد التبس واختلط الأمر هنا على “الأخوة” مؤسسي اللجنة الخيرية.. فتعدد الزواج في الإسلام له قواعده وضوابطه.. وإلا أصبح زواج متعة مكروهاً ومنهياً عنه!! وقد تكون أبلغ قواعده في صعوبة،إن لم يكن استحالة، العدل بين أطرافه.. فالعدل صفة إلهية.. يعجز عنها بنو البشر.. وحتى نبي الأمة كان يقر بأن لعائشة “الحميراء” مكانة أكبر في قلبه عن باقي زوجاته.. ﵟفَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ ٣ﵞ ﵝالنِّسَاء : ﵓﵜ . F.
وقد تكون الحقيقة الصائبة الوحيدة التي أوردها مؤسسو اللجنة الخيرية في بيانهم.. هي أن المجتمع الكويتي كان مشهوراً بالزواج المبكر. وهي نقطة يمكن التعليق عليها بأن الأرقام قد أثبتت أن حالات الطلاق في المجتمع الكويتي هي أيضاً مرتفعة وخاصة بين حالات الزواج المبكر.. في حين أنها تقل بين من هم في سن أكبر وأكثر نضجاً. وللتأكد من هذه الحقيقة يمكن العودة إلى ملفات الطلاق في قضايا الأحوال الشخصية.
أما القول بأن الزوجة مستوجبة لغضب الله لأنها وقفت بوجه زوجها ومنعته عن الطريق الحلال لإعفاف نفسه؛ فلا أعلم أين ذلك من قوله تعالى ﵟوَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١ﵞ ﵝالرُّوم : ﵑﵒﵜ F. فبهذا السكن.. وهذه المودة والرحمة ما تتغذى به النفس البشرية المؤمنة.. وما تهنأ به القلوب الخاشعة. ولا أدري ما دخل العلمانية الغربية الزائفة.. في مشاعر الزوجة في الحب والرغبة في الحفاظ على زوجها.. وخصوصاً من امرأة أخرى!!
وتختتم اللجنة بيانها.. بمزيد من الإغراءات “الدنيوية الزائلة” للساعي وراء إتمام ذلك العقد.. فتعطي مائة دينار “للخطابة” جزاء لسعيها المشكور في القضاء على مشكلة العنوسة في الكويت.. والقضاء على الفساد وانتشار المخدرات في المجتمع الكويتي!!
لا يمكن في الختام من تعليق على تلك الدعوة.. سوى أنها دعوة إلى الارتداد إلى الخلف.. والتخلف.. وليس دعوة للإصلاح.
فالدعوة تفتقد إلى أبسط القواعد.. التي يتطلبها بناء وتكوين الأسرة.. وتذهب بنواة المجتمع الأساسية.. إلى كونها وسيلة لإعفاف النفس والحد من الرذيلة فقط.. لا مؤسسة تمول المجتمع بطاقة بشرية لخلق وبناء المستقبل.
ولا يقول بدور المرأة الأساسي في التأثير على كيان الأسرة.. إلا جاهل معاند. فدور المرأة في المجتمع أهم وأرقى من دعوة اللجنة الخيرية “جزاهم الله كل الخير على سعيهم” وهو دور تكاد تلمسه الأيدي في كل مجال. وإن أنكره بعض رجالنا لأغراض في النفس.. جزاهم الله سواء السبيل.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى