تقارير وحوارات
أخر الأخبار

إدوارد سعيد.. والمعركة الأدبية المستمرة مع العرب

فصل الثقافات سوء فهم لدى.. النخبة
على الرغم من نشأته الغربية.. لم يستطع “إدوارد سعيد” أن يغادر حضارته أو قضاياه العربية فعلى الرغم من جنسيته المزدوجة.. الأمريكية – الفلسطينية.. وعلى الرغم من ولادته العربية بين جدران القدس.. لب الصراع العربي – الإسرائيلي عبر التاريخ.. ونشأته الأمريكية.. وتعليمه الغربي.. الذي رشحه لتدريس الأدب المقارن والإنكليزية على مدى ثلاثين عاماً في جامعة كولومبيا في نيويورك.. إلا أن “إدوارد سعيد” لا يؤمن بوجود حضارة واحدة ومنفردة ينتمي إليها الإنسان.. فهو يؤمن تماماً بتداخل الحضارات عبر الزمن الإنساني.. وهو يرى أن في انتمائه إلى كلتا الحضارتين.. يمكنه من فهمهما بسهولة ويسر أكبر.
“إدوارد سعيد” المولود في القدس عام 1935 هو من جيل الـ67.. الذي عاش المأساة العربية.. كما عاشها والده من قبل.. والذي فر إلى القاهرة في العام 1947.. “إدوارد سعيد” عايش معاناة المصريين ضد الاحتلال الإنكليزي.. أثناء تلقيه العلم في “كلية فيكتوريا” بمصر.
ودون قصد منه.. فقد وجد “إدوارد” نفسه منتمياً إلى “الإمبراطورية” التي حكمت مصر آنذاك.. فكل ما كان يحيط به هو إنكليزي الأصل.. حتى في اضطهادهم للعرب.. وتجريحهم للحضارة العربية.. فكل ما كان يعني الإمبراطورية آنذاك أن تكون الثقافة إنكليزية سائدة.
“إدوارد سعيد”.. إلى جانب كونه أستاذاً في الأدب.. فهو موسيقياً بارعاً.. وعازفاً لآلة البيانو.. ولم تبدأ السياسة في التوغل في حياته إلا بعد حرب 67 حيث وجد نفسه متوغلاً في البحث عن هويته الفلسطينية.. وهو الأمر الذي جعله عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني.
وعلى الرغم من مناداته بضرورة الجلوس إلى مائدة المفاوضات.. إلا أن ذلك لم يضف شيئاً إلى صورته “الإرهابية” في نظر الغرب والذي لم يكن يرى أن هنالك فرقاً بين منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني.. لذلك فإن الهجوم العنيف الذي تلقاه “إدوارد” على كتابه الأخير “الثقافة والإمبريالية”.. لم يكن وليد ظهور الكتاب.. وإنما يعود الهجوم إلى بداية السبعينيات حينما صنف العالم الغربي.. “إدوارد سعيد” على كونه صوت فلسطين في المنفى.. خاصة بعد كتابه “المسألة الفلسطينية” الصادر في العام 1979.. والذي كان يرى من ورائه حفظ الحقائق التاريخية للفلسطينيين.
ومن هنا بدأ الهجوم الشرس على “إدوارد”.. وتوالت المقالات والافتتاحيات التي أطلقت عليه اسم “بروفيسور الإرهاب” وهو أمر طبيعي في أمريكا.. أن يصدر حكم كهذا على أستاذ وأديب لمجرد محاولته الدفاع عن الفلسطينيين في وجه الدعاية الاسرائيلية الساحقة.. فمحاولة الدفاع بحد ذاتها كانت تعتبر تصعيداً خطيراً ضد السامية.. كان “سعيد” مدركاً جيداً لأبعاده.. على الرغم من أن دفاعه ذلك لم يكن للقادة الفلسطينيين أو حتى العرب.. والذي كان شخصياً يرثي لهم.. لكونهم نتاج دول قمعية وغير ديمقراطية.
قد تعود شهرة “سعيد” الحقيقية إلى كتابه الشهير “الاستشراق” “Orientalism” .. والذي هو عبارة عن دراسة حول معالجة بعض الكتاب الغربيين للأفكار والنماذج العربية.. والتي لا تخلو من تشوهات كثيرة تعكس أفكار هؤلاء الكتّاب حول الشعوب الدونية.. بحكم سيطرتهم كدول استعمارية.
ثم يأتي كتابه الأخير القضية.. والذي أكد من خلاله على تلك الرؤية الاستعمارية للشعوب فكتاب Culture and Imperialism” أو “الثقافة والاستعمار”.. والذي أطلق فيه “سعيد” حريته للبحث في أغوار الكتابات الغربية.. المتوجة بأسماء لأشهر الأدباء والكتّاب الغربيين، وهو الأمر الذي أثار حفيظة النقّاد الغربيين الذين رأوا فيه تعدياً سافراً على تراثهم الأدبي.
فحينما يتعرض كاتب مثل “إدوارد سعيد” تم تصنيفه كإرهابي عندما يتعرض لكاتبة مثل جين أوستن “Jane Austen” أو تشارلز ديكنز.. فإن ذلك جريمة لا تغتفر لأي كان.
من وجهة نظر “سعيد”.. فإن السياسة والأدب.. هما كيانان متداخلان في أحيان كثيرة.. ولا يعني بالتداخل هنا.. ذلك الجدل القائم حول الأفكار السياسية.. كما هو الحال في أمريكا اليوم.. وإنما هما متداخلان.. كمثل حالهما في الكثير من الروايات الإنكليزية والفرنسية.. ولعلَّ ذلك يفسر سبب ذكر كتابات.. ومقتطفات كثيرة لأدباء إنكليز من أمثال “كيبلنج” “Kipling”.. و”ييتس” “Yeats” في كتابه الأخير. وهو أمر حظى على ردود فعل متفاوتة من قبل الأدباء الإنكليز.. فحيث امتدح البعض ذلك في كتاب “سعيد”.. نجد أن البعض الآخر كان يرى فيه تهجماً على التراث الأدبي الإنكليزي.. وأولئك كان يرون أن في كتاب “سعيد” إيحاء واضحاً على أن “جين أوستن” عمدت على إخفاء نزعتها الاستعمارية.. في خضم الألفاظ الهادئة التي حوتها روايتها “منتزه مانسفيلد” “Mensfield Park”..
لقد أكد هجوم “سعيد” في أحد لقاءاته الصحفية على العقلية والثقافة الأمريكية.. باعتبارها الاستعمار الجديد.. أكد هجومه ذلك على مقولة أن الصراع القادم هو صراع حضارات.. وتلك حقيقة يحاول البروفيسور “صامويل هنتنجتون” “Samuel Huntington”.. أستاذ العلوم السياسية في “هارفارد” أن يؤكد عليها.. في مقابلة أجرتها مجلة الـ “Time” معه.. في يونيو 93.. حيث يرى هنتنجتون أننا نقترب من مرحلة صراع تختلف جذرياً عن مراحل الصراع السابقة… حيث كانت الدولة هي المركز والأساس في أي عملية صراع.. غير أن الشعوب الآن.. قد بدأت في تمييز وجودها بحسب انتمائها الحضاري.. وليس الجغرافي أو السياسي، ويرى البروفيسور “هنتنجتون” أن الحضارة بمعناها الواسع هي الهوية الثقافية.. وبأن الشعوب الآن قد بدأت تميز نفسها بانتمائها الديني بالمعنى الثقافي لكلمة دين والدليل الذي يسوقه البروفيسور.. هو أن بإمكان الفرد أن يميز نفسه بكونه نصف فرنسي ونصف عربي مثلاً.. إلا أنه لا يستطيع أن يقول أنه نصف مسيحي ونصف مسلم.
ونعود مرة أخرى إلى “إدوارد سعيد” لنجد أن نشأته الأمريكية.. لم تنجح في اقتلاعه من جذوره العربية.. فبالرغم من كونه غير مسلم.. إلا أن نشاطه المميز لصالح القضية الفلسطينية تحكمه نزعته الدينية.. فهو مسيحي من القدس.. وجد نفسه في حالة معاداة حتمية للصهيونية “anti-zionism”.. على الرغم من كل المحاولات من حوله.. والتي كانت تحاول إلصاق تهمة المعاداة للسامية به.. “Anti-Semitism”.
لقد أثار هجوم “سعيد” على العقلية الأمريكية حفيظة النقاد الأمريكيين.. وقد كان دفاعه مقنعاً للكثيرين منهم.. فـ”سعيد” كان يرى أن محدودية الطالب أو الناقد الأمريكي هي من أهم عوامل الفصل والعزل بين الأجيال.. فهو يرى في الأكاديمي الأمريكي مثلاً.. تعلقاً كبيراً باحتراف المهنة يفسره بالفلسفة القائلة بأن عملية الاحتراف.. تكمن في أن نتعلم كل القوانين التي تمكنك من التحدث والخوض في موضوع ما.. وذلك هو سبب تحجر الحياة الثقافية في أمريكا.. والذي يجعلها في أحيان كثيرة مملة جداً.. وحيث يرى “سعيد” أنه من الأفضل أن تكون هاوياً غير محترف في القيام بأعمال تحبذها وتقبل على أدائها.. لرغبة معرفة واطلاع ويسر بفعل عوامل قهرية.. وضغوط، ولهذا السبب.. فإن “إدوارد سعيد” يدافع عن “سلمان رشدي” الكاتب الذي أتهم بالإساءة إلى الإسلام.. ليس لكونه مدفوعاً ومرغماً للتعليق كالآخرين وحسب.. وإنما لأنه وجد في الفتوى الصادرة بحق “سلمان رشدي” تعدياً على الديمقراطية والحرية التي يؤمن بها.. ويؤيدها.. وهو بذلك لا يكون مدافعاً عن “رشدي” ككاتب.. وإنما عن قضية الديمقراطية.. كمسألة غير قابلة للتجزئة.. والتي يرى “سعيد” أن غيابها هو السبب الرئيسي في تخلف الشعوب العربية وتأخرها.
لقد كان السبب الرئيسي من وراء كتابات إدوارد سعيد والتي تفاوتت بين كتابه “الإستشراق”.. وكتاب “مسألة فلسطين” و”قضية الإسلام”.. وغيرها من كتابات.. كان السبب الرئيسي من وراء كل تلك الكتابات.. هو في إدراك “سعيد” للدور السياسي الذي يلعبه الأدب والأديب.. فهو يرى في الكثير من الروايات والقصص التي ظهرت في أوروبا في عهد التحرير والتنوير.. ما أشعل حماس الشعوب الأوروبية ودفعها إلى التحرك.. ومحاربة العصور المظلمة.. فالكتابة والكتاب هما مصدران أكيدان للمقاومة.. ولزرع الأفكار وتحريك القضايا.
ولهذا السبب.. فإن “سعيد” يرى أن كتابات الأدباء الغربيين قد استطاعت أن تفرض أحكامها الاستعمارية في مستعمرات عديدة.. من ضمنها المنطقة العربية وأن تلك المؤلفات وإن كانت ذات صبغة أدبية بحتة.. إلا أنها لم تستطع أن تخفف علاقتها بالعملية الاستعمارية.. وهو بذلك يرى أن المشكلة الحقيقية في الثقافة.. لا تكمن في تمجيد البعض لثقافاتهم.. وتمييزها عن سائر الثقافات.. وإنما تكمن كذلك في التستر وراء بعض الأفكار الأدبية.. لتمرير سياسات قمعية استعمارية.. وهو الأمر الذي وجده “سعيد” في أغلب الروايات الغربية.. والتي استطاع في كتابه “الثقافة والاستعمار” أن يفسرها على ضوء ذلك القصد.. بل ولقد أمعن في تحليل شخصيات روائية لمؤلفين وروائيين غربيين.. وفسرها على كونها تدل على سمو الشخصية الاستعمارية ونبل أغراضها.. والتي لم تكن أبداً أغراضاً نبيلة بحق سكان المستعمرات الأصليين..
خرج “سعيد” في روايته تلك من نطاق المستعمر والمستعمرات القديمة.. ليخوض في أغوار الاستعمار الجديد.. ممثلاُ بالحكومة الأمريكية.. خاصة بعد نهاية الحرب الباردة.. فهو يرى أن الهدف الذي كان يرمي إليه الأديب الإنكليزي أو الفرنسي في ذلك الوقت.. من تعزيز للشخصية الاستعمارية في نفوس الشعوب الإنكليزية والفرنسية.. هو ذات الهدف الذي يسعى إليه الأديب الأمريكي الآن في العصر الحديث.. وحيث يرى من خلال كلمات “هولرويد” في رواية “كونراد”.. التي يذكر فيها: نحن الرقم واحد.. نحن ملتزمون بأن نقود العالم.. نحن نمثل الحرية والنظام.. وغير ذلك مما يراه “سعيد” كلاماً معسولاً.. يبرر للفرد الأمريكي.. امتداد رقعة السلطة الأمريكية.. ويؤكد في نفسه نبل المقاصد والأهداف الأمريكية.
بالرغم من كل الهجوم الذي واجهه “سعيد” خاصة مع إصداره الأخير “الثقافة والاستعمار” إلا أنه يرى أن أسلوب العزل بين الثقافات.. وعملية الفصل التي كانت دوماً قائمة بين مسيطر ومسيطر عليه.. أو مُسْتَعْمِرٍ ومُسْتعمّر.. أو بين حضارة راقية.. وحضارة تابعة.. هي بالتأكيد قضية عجز عن الفهم.. وفيما يخص الثقافة العربية.. فإنه يرى أن العجز قائم حتى مع مستوى النخبة من المثقفين العرب.. فقضية اليأس من التفاهم جعلت المثقف والثقافة العربية تقتنع بأنه مثلما يعزف الغرب عنا.. فنحن لسنا بحاجة إليهم كذلك وهو ما يراه “سعيد” خطأ كبيراً.. فهو يعتقد أن مساندة الأمريكيين خاصة للصهيونية.. كانت بسبب عجزنا كأصحاب قضية عن فهم أمريكا.. كما فهمها اليهود والذين توصلوا إلى ذلك قبلنا بكثير.
لم يأت الهجوم مع إدوارد سعيد من الغرب.. وحسب.. وإنما هاجمه كنعان مكية أو كما يلقب في كتبه بـ “سمير الخليل” هاجمه في كتابه “الحرب التي لم تكتمل”.. حيث اعترض “سعيد” على القضية الإعلامية الأمريكية لأزمة الخليج واتهمها بالإفراط في تكرار عناوين مقيتة تتسم بالجهل بالمنطقة.. وهو عكس ما يراه “سمير الخليل” حيث يرى أن الإعلام الغربي قد أدى وظيفة مقبولة وجيدة..
وبينما يرى سعيد أن أزمة الخليج قد كشفت عن مظاهر عميقة الجذور من التحيز الغربي ضد الثقافة العربية.. فإن ” سمير الخليل” يرى العكس.. فهو يرى أن أزمة الخليج قد كشفت أزمة عميقة الجذور داخل مكنونات الثقافة العربية ذاتها وكذلك يحتج “سمير الخليل” على التطرف الذي يبديه “إدوارد سعيد” تجاه الأزمة.. وبحيث يجعل الغرب على الدوام هو الملام.. والذي يرى فيه “سمير الخليل” عجزاً من جانب “سعيد” في فهم حقيقة العدوان العراقي.. وحقيقة إرهاب النظام في العراق.. وهو أمر لا نستطيع أن نلوم عليه الغرب وحده ولا يتفق “سمير الخليل” مع “إدوارد سعيد” في مقاله الذي نشرته صحيفة “الإندبندنت أو سنداي” اللندنية بتاريخ 12 أغسطس 90.. لا يتفق معه إلا في قضية أن الغرب يبخس الأدب العربي حقه إلى حد كبير.. وأن على المعنيين بشؤون الأدب في الغرب أن يعيروا اهتماماً أكبر للترجمات الجديدة الممتازة التي تظهر الآن للأعمال الأدبية العربية الخالدة غير أن “سمير الخليل” يعود إلى الاختلاف مع “إدوارد سعيد” ليقول أن من يقرأ مقالة “سعيد” تلك.. سيشعر بلا شك أن “إدوارد سعيد” يريد أن يفهمنا أن المشكلات كافة.. من أزمة الخليج إلى وضع الثقافة العربية.. منبثقة عن سياسة الغرب التي يراها سعيد “متضافرة لتحقير العرب والإسلام”.. الأمر الذي يرى فيه “سمير الخليل” إقحاماً من قبل “سعيد” لطرح قوالب “استشراقية” كما أسماها “سمير الخليل”.. والتي يرى أنها قد أكل عليها الدهر وشرب.
جريدة القبس 22/7/1993

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى