
في ظل عالم أصبح فيه عدد الفقراء مضاعفاً بشكل مخزٍ للبشرية، في عالم تزداد الهوة فيه بين من يملك ببذخ، ومن يئن تحت وطأة الحاجة والفاقة والجوع! في عالم كهذا تبرز أهمية مؤسسات تنموية تعمل جاهدة على سد هذه الفجوة بين عالم الثراء الفاحش، وأزمة الفقر المدقع! فبالإضافة إلى مساهمات المؤسسات الخيرية في رفع معاناة الأمم والشعوب الفقيرة، هنالك مؤسسات تنموية تأخذ على عاتقها، وتضع في برنامجها أولوية لمثل هذا الدور الإنساني!
لن نقول إن رفع المعاناة عن الدول الفقيرة هي مهمة من مهام صندوق الأوبك للتنمية الدولية (أُفيد) الأساسية، بل هي المهمة الأولى التي ذيلت قرار إنشاء “أُفيد” أثناء انعقاد القمة الأولى لملوك ورؤساء البلدان الأعضاء في الأوبك في الجزائر العاصمة في شهر مارس 1975.
فقد ورد في الإعلان الرسمي عن إنشاء “أُفيد” مما يؤكد مجدداً التضامن الطبيعي الذي يوحد بين بلدان الأوبك وسائر البلدان النامية في سعيها الدؤوب للتغلب على مشكلة التخلف الإنمائي! لكن القفزة الأهم في رحلة “أُفيد” السامية هذه جاءت في إعلانها عن رؤيتها الجديدة ـ القديمة، والتي أعلنت فيها أن الطاقة ما هي سوى مرادف للتنمية، مع ما يعنيه ذلك من مضاعفة العمل لدعم ومشاركة الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة فقر الطاقة الذي تعانيه جميع الدول ذات الدخول المنخفضة! وهنا يؤكد “أُفيد” ومن جديد على الترابط المنطقي بين فقر الطاقة وبين تدهور الأوضاع المعيشية لتلك الدول، فمن دون الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع وإنشاء المدارس والمستشفيات وإدارة المشاريع، لن يكون هنالك تقدم سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، ويمكن تعريف فقر الطاقة هنا بكونه تعبيراً عن حالة القصور عن توفير الطاقة المناسبة والمتيسرة مادياً لتحفيز النمو الاقتصادي ولتلبية احتياجات الإنسان الأساسية. وبذلك تصبح مكافحة فقر الطاقة، اللبنة الأولى في أي استراتيجية تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة.
صندوق الأوبك للتنمية الدولية هو اليوم في عهدة السيد سليمان جاسر الحربش المدير العام، والمناضل الأول في تحقيق مهمة “أُفيد” الإنسانية هذه! وفي لقاء أجرته معه إحدى المجلات العلمية يتحدث الحربش عن برنامجه الرامي إلى تسخير هذه المؤسسة لمحاربة الفقر، وعن طبيعة البرامج والأعمال التي جعلت من مهمة “أُفيد” مهمة أبعد وأكبر من مجرد توزيع معونات ومساعدات، لتصبح ملامسة حقيقية لمعاناة الناس، وتأثيراً ملموساً في حياتهم المعيشية.
في لقائه هذا يتناول الحربش مهام “أُفيد” بكونها تنطلق من هدف تعزيز تضامن جنوب ـ جنوب، لمساعدة دول العالم النامي على شق طريقها التنموي، وبغض النظر عن التباين والاختلاف الديني والعرقي والسياسي.
لقد آن الأوان بتصوري لتجاوز الأسس التي بُنيت عليها علاقة الجنوب بالشمال، والتي تنطلق من مشاعر وأهداف سياسية بحتة! فإن كنا حقاً نطمح لمساعدة إخواننا في الإنسانية، فليكن التضامن جنوبي ـ جنوبي ينطلق من مشاعر إنسانية سامية، كالتي ينادي بها ويعمل وفقاً لها صندوق أوبك للتنمية الدولية.
