
لا تزال نتائج انتخابات المجلس الأخيرة تحتل موقع الصدارة في كل حديث وحوار.. خاصة بما أحدثته من إشكاليات، وجدل لا يزال قائماً.
ولا تزال توقعات المواطنين عن فعالية المجلس وقوته تتأرجح صعوداً وهبوطاً، والكل يبدو متأهباً لحسم تلك التوقعات مع بداية الجلسات الرسمية للمجلس.
لا شك أن المجلس الأخير هذا.. قد أحدث انقساماً في الآراء حول أدائه المتوقع.. وإن كان أغلبها قد اتسم بسلبية وتشاؤم واضحين.. بما يتعلق بفعالية المجلس وشخوصه. وقد كان لتشاؤم البعض هذا أسباب تتعلق بسقوط رموز وطنية مخلصة. قد يعكس غيابها عن الساحة البرلمانية تراجعاً في نوع القضايا المطروحة وتدنياً في أولويات الطرح والاهتمام.
بينما يرى فريق آخر أن إفرازات الانتخابات الأخيرة، قد عززت، وبصورة مخيفة، الانتماءات الطائفية والقبلية. وسواء أكانت وجهة النظر الأولى أو الثانية، فمن المؤكد أن تراجعاً كبيراً في وعي المواطن قد انعكس وبصورة واضحة على نتائج العملية الانتخابية. وهو أمر يُعد أكثر خطراً وسلبية من مجلس محدود القدرة والصلاحية.
إن الانتكاسة الحقيقية التي أصابت وعي المواطن، ليست في فرعية القبيلة أو الطائفة، وكما يراها البعض، بل هي في خروج مجموعة من أعضاء المجلس الوطني باستفتاء شعبي، ودخولهم إلى قبة البرلمان الحالي. هي إذاً إحياء للمجلس المشبوه، والمشوه، والذي سقط مشروعه آنذاك في استفتاء شعبي صارم، أدى، وكما نعلم جميعاً، إلى عزوف المواطنين وامتناعهم عن المشاركة في انتخابات المجلس الوطني.
إن الديمقراطية في جوهرها وسيلة لخلق مواطن واع ومدرك لقضاياه ومشاكله. فالوعي هو أولى عتبات البناء والإصلاح، وإذا لم تتمكن الديمقراطية من أن تخلق وعياً، فإن ذلك يعني أن هنالك خللاً في الممارسة والفهم.. ونحن في هذا الوطن، قد أدركنا بلا شك، درجة الوعي التي اكتسبها المواطن، بفضل الممارسة الديمقراطية، والتي خلقت رفضاً حاسماً لمشروع إحلال المجلس الوطني بدلاً من مجلس الأمة الممثل الحقيقي للشعب والمواطن. كما كان الوعي سيد الاستفتاء الشعبي في انتخابات عام 1992، والتي قطعت الطريق على مرشحي المجلس الوطني، في محاكمة شعبية أملاها وعي وإدراك لمتطلبات العمل الوطني الجاد والمخلص وشروطه. لقد خلف غزو الوطن جرحاً غائراً لا يزال رطباً.. في نفوسنا جميعاً. غير أننا، كوطن ومواطنين، قد استعطنا أن نستثمر ذلك الظلام.. ونخرج منه بمكاسب لا تخطئها العين، تجلت في تفجر طاقة كبيرة من الوعي، جعلتنا نقف على جراحنا.. ونستمر في مسارنا الحر والديمقراطي، فكان للإصرار الشعبي، مدعوماً بطاقة الوعي تلك، أثره المباشر في إعادة الحياة البرلمانية بعد فترة وجيزة. كما كان للوعي وحده صوت لاذع ورافض لمحاولات تشويه المكاسب والإنجازات الديمقراطية، تجلى في التصدي الشعبي الصارم لإعادة إحياء المجلس الوطني بدلاً من الشرعية الدستورية ممثلة لمجلس الأمة.
خيبة الأمل إذاً ليست بسبب غياب الكثير من الرموز الوطنية الحرة وحسب، بل هي في تراجع ذلك الوعي الشعبي لحساسية وأهمية دور المواطن في فرض رؤاه وصياغة واقعة. وهو تراجع تعكسه عودة رموز المجلس الوطني إلى سدة التشريع والقرار.. وقدوم نواب الخدمات من جديد بقوانينهم وأساليبهم في إدارة كفة الحياة والعمل في هذا الوطن.
إن الديمقراطية في جوهرها وسيلة انتقال هادئة من مرحلة إلى أخرى، يكون فيها للإرادة الإنسانية دور بارز ورائد. غير أنها تتطلب في البداية وعياً بذلك الدور، واستيعاباً للمرحلة الراهنة وشروطها. ودون هذا الوعي تكون ترفاً فكرياً.. وتنظيراً خاوياً.
