
حديث سمو ولي العهد.. في المؤتمر الصحفي الذي عقده في الأسبوع الماضي.. أعاد إلى الأذهان يوم الأول من أغسطس عام90.. حين تصلب المواطن أمام أجهزة الإعلام.. يترقب تصريحاً أو تعليقاً ينتشله من دوامة الخوف والرعب!! يومها أنصت المواطن لتصريح ولي العهد في أعقاب عودته من اجتماع جدة.. والذي طمأن فيه الجميع أنه قد تلقى وعوداً تؤكد استحالة قيام نظام بغداد بأي عمل جنوني.. ومن ثم فإن تحركاته وحشوده آنذاك ما هي إلا عناصر ضغط لابتزاز الوطن!!
اليوم نعود إلى نقطة البداية في ما يتعلق بتهديدات ومخاطر النظام العراقي.. والتي قد لا يشك أحد في أنها ما زالت تشكل مصدر قلق وخطر للمنطقة كلها بما فيها العراق أيضاً!! وإن كان لإثارة مسألة استمرار الخطر.. أثر سلبي انعكس على نفس المواطن.. وأثر في شؤونه الحياتية اليومية خاصة بعد أن أدرك التكلفة الاقتصادية الخيالية التي يتكبدها الوطن لعقد صفقات السلاح وعقد الاتفاقات الأمنية مع كل من يملك سلاحاً أو استراتيجية حربية في كافة أرجاء المعمورة!!
المراقب العاقل يدرك جيداً أنه وبالفعل لم يتغير شيء.. ولم يستجد جديد!! فالاتفاقات الأمنية والتسلح المكلف لم يمسا أموراً جوهرية في ما يتعلق بالقلق المخيم على المنطقة.. ولن يكون لهما أثر يذكر في مسببات ومنغصات الأمن والأمان في المنطقة، والتي قد يكون نظام بغداد أحدها.. وإن كان قطعاً ليس بكلها!!
إن كان شيء قد استجد فعلاً في الفترة ما بين حديث سمو ولي العهد في الأسبوع الماضي.. وحديثه السابق مساء الأول من أغسطس عام 90!! فهو ما استجد في محيط الوطن السياسي عموماً.. والذي كان له وقع وأثر ملموسان في الأسلوب الذي تم من خلاله التفاعل مع الحدث.
فبينما كان الأمن وافراً بالأمس، كانت الحرية السياسية مغيبة والصحافة مكبلة.. بل وحتى حديث الديوانيات لم يرق إلى مستوى ناضج في التعامل مع الأحداث التي سبقت الكارثة وذلك لافتقاد الكل لمرجع يبنون عليه توقعاتهم ورؤاهم السياسية!! بينما كان ذلك حال الأمس، جاء اليوم حراً طليقاً وإن كان عاصفاً بالأحداث والمخاطر!! أصبح فيه للمواطن رأي وقول وموقف تجاه ما يحيط به من أحداث ومشاهد!! فما بين حديثي سمو ولي العهد دخل المواطن حقبة جديدة، تميزت بإدراكه المطلق لحساسية وأهمية الدور الذي يؤديه في المساهمة بالرأي والقول ما يستجد على ساحة الوطن!! لقد اختلفت الآراء حول التهديدات التي أشار إليها سمو ولي العهد!! فبينما رأى فريق أنها إثارة قد تؤدي إلى تهديد للأمن والاستقرار.. وتشكيك في حقيقة الأمان المتوفر في هذا الوطن.. رأى البعض الآخر أنها عنوان للحرية والوعي الديمقراطي، واللذان هما عنوان مطالبنا السياسية!!
ولكن كيف يأتي ترتيب أولويات الاستقرار؟! هل تعزز الحرية الاستقرار وتدفع به إلى المقدمة؟! أو أن الأمان هو مفتاح الاستقرار.. الذي تنشده كل مجتمعات البشر!! قد يبدو لنا الأمان أكثر إغراء ليتصدر أولويات الاستقرار!! وقد نبادر جميعاً إلى ترشيح الأمان كطريق سالك وطبيعي نحو مجتمع مستقر!! غير أن التجارب البشرية من حولنا تؤكد خلاف ذلك!! فالعالم المستقر من حولنا، والذي يحتل أجمل وأغنى بقاع الأرض، بدا مشواره في طريق الاستقرار بصراع دموي شرس ليضمن حريته أولاً، يبدأ على ضوئها في تحقيق الأمان!! فالأمان الذي حققه المجتمع الغربي مثلاً جاء مكملاً ومتمماً لنتاجات الحرية التي تلونت بها المجتمعات الغربية في بداية حركات التصحيح، والتي أخرجت أوروبا أولاً من عوالم الكبت والاختناق.. إلى آفاق الحرية والتعبير!! والحرية هنا ليست سياسية فحسب، وإنما هي هنا بمعناها الشامل حرية تفكير واجتهاد واختراع وابتكار، حرية البحث العلمي وحرية تصور ورأي بل وحرية ذوق وملبس.. وحرية نمط حياة!!
وإذا كان الأمان أكثر إغراء عند تصور مقومات الاستقرار، فإن الحرية بلا شك أكثر مصداقية وأطول أمداً!! وهو ما أدركه المواطن هنا حين اضطر لدفع فواتير باهظة نتيجة خطأ في تحديد ورسم أولويات الاستقرار!!
