
في مايو لهذا العام، تكون قد مرت على حركة الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها فرنسا خمسون عاماً كاملة، وعلى الرغم من كونها احتجاجات ذات طابع سياسي ضد السلطة القمعية واختلال ميزان العدالة الذي يأتي كإحدى الركائز التي قامت عليها الثورة الفرنسية عام 1789، فإنها – أي حركة الاحتجاج الطلابية في ربيع عام 1968 – كانت لها أبعاد اجتماعية ضربت في العمق الفرنسي ضد جميع أشكال التمييز بين الأجناس البشرية على اختلاف أعراقها وثقافاتها، كما أنها مكّنت المرأة من الحصول على حقوق اجتماعية تمس كيان وشكل الأسرة في المجتمع الفرنسي، بالإضافة، طبعاً، إلى المطالبة بحريات كحرية التفكير والنشر، وحق المرأة في إجراء معاملات من دون اللجوء إلى الزوج!
ومثلما امتدت شعلة الثورة الفرنسية التي لخصّها شعار “العدالة والأخوة والمساواة” إلى سائر أنحاء العالم، كان لحركة الاحتجاجات الطلابية هي الأخرى مسارها الذي أشعل احتجاجات مشابهة في دول أوروبية وعربية كذلك.
يقول التاريخ إن أغلبية المحطات المهمة في تاريخ البشرية قد جاءت بفعل ثورات، إما سياسية أو اقتصادية أو معرفية، أما شرارة تلك الثورات، فغالباً ما كانت عفوية أثارتها ظروف اجتماعية بالية، أو استبداد اقتصادي مجحف، أو قمع سياسي بشع، وليس بالضرورة أن يكون قادة تلك الثورات من المنظّرين أو السياسيين المتمرسين، فالعفوية غالباً ما تكون هي المحرك، وراءها مستضعفون أو عمال أو طلبة، وكما حدث في ثورة العبيد ضد الإمبراطورية الرومانية، وثورة “الزنوج”، وثورة “الربيع العربي”، التي أشعلها بائع خضار بسيط في مدينة صغيرة في تونس.
ولكن يبقى العامل المشترك بين كل هذه الثورات هو أنها جميعها تأتي كنتيجة مباشرة لتراكمات قمعية ظالمة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، بمعنى آخر لم تأتِ ثورة بفعل عوامل استشارة خارجية ولا بسبب قوانين إصلاحية من الأعلى مثلاً، كما أن الدول وعلى اختلاف أنماطها لم تستطع أجهزتها ولا مسئولوها على الرغم من كل محاولات الضغط أن يغيروا مسار تلك الثورات العفوية، وهم إن استطاعوا، فبقدر ضئيل لم يغير في مفهوم هذه الثورة أو تلك ولا في مسارها، وإنما قد يعيق تقدمها بالقمع طبعاً والمنع، لكنه لا يخمدها أبداً، بدليل أن الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي قد صرح في بداية عهده بأن من أهدافه، مثل كل اليمين في فرنسا، القضاء على ميراث حركة مايو 1968. مما يعني أن ما أشعلته تلك الحركات الاحتجاجية لا يزال متأججاً تحت سطح البروتوكولات السياسية التقليدية!
وبالطبع، فإن هذا ينطبق على “الربيع العربي” الذي يرى أغلبية المراقبين أنه لا يزال مستمراً، وإن شابه بعض التعثّر في محطاته لظروف إقليمية ودولية، وهو الذي جاء كثورة عفوية بفعل تراكمات مخيفة، ولكن مساراته لم تكتمل بعد، لذلك فهو مستمر في الذاكرة والوعي العربي، وحيث جاء أساساً كإجابة صارمة ضد جميع أشكال المظالم التاريخية القائمة على الاستبداد والظلم والعنف!
الثورات اليوم تتخذ بعداً أكبر بكثير وأشمل في الألفية الثالثة، وهو ما دعا رئيسة صندوق النقد الدولي إلى أن تختتم كلمتها في مؤتمر مراكش باستشهادها بكلمات لجبران خليل جبران يقول فيها “أولادكم ليسوا لكم، إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها”، محذرة هنا من السخط الشعبي الذي يتأجج في بعض البلدان العربية بعد أن فقد الشباب فيها الأمل في المستقبل، ومع تدني منسوب ثقتهم بحكوماتهم!
