
كانت البداية مع فجر التحرير حين “كافأت” الحكومة المواطنين الصامدين على وطنيتهم، وكم كان السعر زهيداً حينها، خمسمئة دينار لكل مواطن مارس الوطنية بشهامة، وعبر عن حبه لأرضه ولوطنه! ليستمر فيما بعد حبل المساومات بين المواطنين من جهة، سواء كانوا من العامة أو من المسؤولين، وبين الحكومة من جهة أخرى، ومعها يتحول الحوار والنقاش تحت قبة البرلمان ليصبح مجرد مساومات على مواقف ظاهرها وطني، وباطنها شخصي المنفعة بشكل مقزز أحياناً! ولتدخل البلاد بعد ذلك وبأكملها في نفق الرؤية الضيقة والقصيرة لمستقبل الكويت وأهلها!
الذين خرجوا مطالبين بإسقاط القروض، والذين يهبون اليوم مهددين باضرابات وشل لحركة العمل إذا لم تقر لهم كوادر رأوا فيها حقاً ثابتاً، هؤلاء جميعاً نتاج مباشر لثقافة الرؤية الضيفة للمستقبل الذي نسعى جميعاً لأن نؤمنه لأبنائنا ومن بعدنا!
الخلل إذاً لا يكمن في النهج الذي اتبعه البعض سواء من طالبي إسقاط القروض أو الكوادر، وإنما هو في نهج الحكومة والنظام على تتابع إداراتهما، اللذين عجزا عن بلورة رؤية صائبة وفاعلة لمستقبل البلد بشكل يؤمن للجميع غداً آمناً ومستقراً.
شكوى الحكومة من أن المواطن يتعامل مع البلد كحساب جارٍ أو كحالة طارئة ومؤقتة، هي شكوى في محلها! لكن في المقابل، لم توفر الحكومة ولم تطرح موقفاً مناقضاً أو نافياً لذلك الواقع، فكل خططها وجميع حلولها ترقيعية بشكل أصبح يرسخ مبدأ الوطن المؤقت بشكل خطير! فعلى سبيل المثال لا الحصر، خرجت الحكومة بحل لمشكلة تضخم الباب الأول في الميزانية، بتحفيز المواطنين على العمل في القطاع الخاص، مخصصة ما أصبح يعرف بدعم العمالة، الذي تحول إلى مشكلة بحد ذاته، بعد أن تركته الحكومة مهلهلاً ومليئاً بالثغرات التي حولته لأن يصبح عبئاً بعد أن كان الرجاء أن يشكل قانون دعم العمالة حلاً ومخرجاً.
لقد مضى زمن طويل لم تمارس فيه الحكومة دورها المطلوب، أن تكون مركز القيادة والمبادرة، أن تقود البلد، لا أن يكون الوضع معكوساً والهرم مقلوباً بهذا الشكل، وبصورة جعلت البعض يخلط بين الديمقراطية والفوضى، وبين العمل النقابي الناضج والمنظم، وبين الهياج والتدافع والاندفاع! لذلك فقد رأت الأغلبية أن قرار الحكومة وقف جميع الكوادر ودراسة الوضع بشكل سليم ومتأنٍ هو قرار شجاع أعاد استقامة الهرم إلى حد ما.
الحكومة الآن في مأزق، ما من شك في ذلك، والناس أصبحوا مأخوذين بتدفق الأموال المحصلة من العوائد النفطية التي وصلت إلى معدلات قياسية، ومؤسسات الفساد ناشطة تسابق طموحاتها لأخذ حصتها، معادلة صعبة تحتاج إلى ترتيب أوراق كثيرة، أغلبها بيد الحكومة.
