أوبرا أولاد الذوات

لم يخرج وزير الإعلام في تصريحه الأخير بشأن إنشاء دار للأوبرا في الوطن.. عما عهدناه من ارتجال في الإعداد والتخطيط لأمور كثيرة في مجتمعنا.. وذلك منذ أن تسارعت قفزاتنا المالية والاقتصادية بدرجة عجزت معها أعرافنا وتقاليدنا الاجتماعية والحياتية أن تلحق بها. فكان لذلك الفارق الشاسع بين رصيدنا المالي المتضخم وبين تراثنا الاجتماعي والثقافي المتواضع، أثار سلبية.. ندركها جيداً ونسعى إلى تقنين إفرازاتها المأساوية في أحيان كثيرة!!
لا يجادل أحد في المستوى الرفيع للفن الأوبرالي، ولا يختلف أحد مع وزير الإعلام.. عن حاجة المجتمعات، كل المجتمعات، للفن وللفنون بوجه عام، كمرآة تعكس جانباً من الثقافة والإبداع.. يعد من أبرز موروثات الشعوب وعلى مدى التاريخ البشري!! حيث خلد الفن حضارات لا يشك أحد في مردودها الإنساني!! وما الفن الأوبرالي سوى واحد من تلك الفنون والموروثات البشرية! كل تلك حقائق نتفق تماماً مع الوزير عليها! لكن دواعي الاختلاف هنا هي في ترتيب الأولويات.. وتقدير احتياجات المجتمع والفرد بشكل أساسي!!
مقومات الإبداع، بما فيها الفن الأوبرالي ، ليست في مسارح فخمة.. ولا في استعدادات وأجهزة متطورة. فعلى الرغم من أهمية تلك التجهيزات، إلا أنها بالتأكيد لا تخلق فناً ولا تطور إبداعاً!! وإنما تأتي مكملة ومتممة لما يتمتع به أصلاً مجتمع ما من فنون وإبداعات تحتويها فيما بعد مبان ومسارح فخمة!!
إذا كان وزير الإعلام جاداً في سعيه لإثراء الثقافة والفنون في هذا الوطن، فإن مساهمته ستكون فاعلة وصائبة، وهو محمود عليها من قبل شريحة كبيرة تشكل غالبية المواطنين.. لو أنه بدأ خطته من خلال تطهير الساحة المسرحية والثقافية الفنية أولاً من الطارئين الذين عبثوا بالحس الفني وشوهوا العمل المسرحي واغتالوا الإبداع والثقافة!! بما يقدمونه من أعمال مسخ.. تفتقد المغزى.. والخلطة المسرحية، حيث تسيطر الألفاظ النافرة والنابية على أغلب حواراتها!!
لم يشذ مشروع الوزير كثيراً عن أسلوب التفكير السائد في هذا الوطن بوجه عام!! فالإنشاءات الأسمنتية، بتجهيزاتها الفاخرة، هي دائماً في مقدمة الإعداد لمشاريع أخرى لا تقل حساسية ولا أهمية عن مشروع الوزير الثقافي!! فعجلة البناء والتجهيز لا تكل ولا تتوقف في مباني الجامعة المترامية والمؤقتة.. حيث تقف بكل كبرياء وعلو كافتيريا الطلبة والهيئة التدريسية في مبنى الجامعة بالخالدية.. يغلفها رداء رخامي فاخر. بينما تقفل الشعب الدراسية لنقص في الهيئة التعليمية.. وتشح الكتب والمراجع لعجز في الميزانية!! وجميعنا يذكر ولا شك إعداد الصرح الديمقراطي بمظلته الأسمنتية.. ومكاتبه الفاخرة.. في وقت كانت فيه الديمقراطية معطلة والحرية مؤجلة!!
فإذا كانت دعوة وزير الإعلام متماشية مع سياق التفكير العام في هذا الوطن، فإن الوزير قد أثار من خلالها قضية وفتح باباً يصعب إغلاقه.. ستنطلق منه دعوات تنادي بترتيب أولويات الثقافة والمسرح والفنون في هذا الوطن!! وتطالب أولاً بحماية الذوق العام والحس الثقافي.. وذلك بفرض رقابة حازمة على الفن الهابط.. والمسرح المرتجل ضعيف الأداء والموضوع، قبل أن نفكر في استعارة الذوق الأوبرالي وفرضه ليصبح (برستيجاً) دون أن يكون تذوقاً فعلياً!! ينقسم معه المجتمع انقساماً آخر على انقساماته الحالية.. ويصبح هنالك أولاد ذوات يصغون إلى الفن الأوبرالي.. وغير ذوات يستمتعون بمسرحية غنائية تحكي تاريخ “شمشون في الغابة”!!

