الأرشيف

أنا وزير.. إذاً أنا صح!

[جريدة الطليعة 28/9/1998]

عقد وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء السيد ناصر الروضان مؤتمراً صحفياً للرد على ما أوردته جريدة “الطليعة” من خبر حول عزم الحكومة إبرام عقود تأجير بيوت جزيرة فيلكا إلى أهلها السابقين بناء على عقود رسمية!!
المؤتمر على ما يبدو، جاء متأخراً بعض الشيء، خاصة في ظل الفوضى في التخمين والتحليل والتي سبَّبها تباطؤ الحكومة (وكسلها) الواضحان عن المبادرة، وبسرعة في توضيح الصورة، وشرح “ملابسات” خبر جريدة “الطليعة”!!
غير أن ما يسترعي الانتباه في ذلك المؤتمر هو طبيعة الدفاع الذي صاغه الوزير الفاضل، ولهجة الانفعال، والتأثر الشخصي اللذان كانا واضحين في حديث وزير الدولة ونبرات التوضيح الذي توجه به إلى المواطن!! وعلى الرغم من أن “الاتهام” كان موجهاً إلى الحكومة كجهاز مسؤول، إلا أن دفاع السيد الروضان قد بدا شخصياً في أغلب مقاطعه، وبحيث سيطرت تلك الروح على أغلب ردود الوزير الفاضل!! مثل قوله: “تناولت الصحف علاقتي بتأجير تلك المساكن، ويهمني أن أنفي الواقعة..” إلخ.. كذلك يقول الوزير الروضان “أنا تربطني بأهالي فيلكا علاقات طيبة أتاحت لي معرفة معاناتهم”.
السيد الوزير عاتب في مؤتمره الصحفي المؤسسات الصحفية على أسلوبها الذي انتهجته في عرض وجهة نظرها، وفي طابع وروح النقد اللذين صدرا عن بعض كُتّاب الرأي، الذين جاء اتهامهم شخصياً للوزير بما يتعلق بمسألة تأجير بيوت فيلكا!! وذلك بلا شك أسلوب خاطئ في النقد!! وإن كان الوزير قد وقع فيه حين خصخص قضية التأجير تلك، فجاء رده مصبوغاً “بالأنا” الواضحة!!
قد يكون الوزير الروضان معذوراً في ذلك، فخصخصة المنصب، والقضية، والمشكلة، هي من سمات المسؤولين من وزراء وقياديين!! ولعلَّ أشهرها تصريح وزير التربية مؤخراً حول مشاكل الوزارة، وهو تصريح بدت فيه “الأنا” طاغية بصورة أثارت الكثيرين!! فمن “لن أتخلى عن الوزارة” إلى “سوف أدخل الميدان وأقوم بزيارات للمدارس” وغيرها من التصريحات التي أوردها الدكتور عبدالعزيز الغانم في مؤتمره الصحفي!!
لا شك أن الأسلوب الذي استخدمه سواء الوزير الروضان، أو الوزير الغانم، يعكس توجهاً خاطئاً طالما كان وراء كل إخفاقاتنا الإدارية وأدائنا العملي!! وهو توجه يحد من استمرارية أداء الوزارة أو المؤسسة!! حتى لقد أصبحت الوزارات تسمى بأسماء وزرائها، وأصبح لكل وزير حقبة تنسب إليه، حتى وإن لم يتخللها إنجاز أو أداء بين!! وأصبحت معها الطريقة الوحيدة لترك البصمات هي في إلغاء ما أتى به السابقون، والإعلان عن “مرحلة” جديدة دائماً يلغيها اسم جديد.. وهكذا تدور الدائرة لتصبح الوزارات أسماء بلا أداء!! فكم وزير تربية دشن توزيره بإعلانه العزم على حل مشاكل الوزارة أو الاستقالة؟! وكم وزير صحة أقسم أن يعيد للصحة نضارتها ودورها؟ وكم وزير تخطيط قضى دهراً في وزارة التخطيط ليخرج بعدها بسلسلة مؤلفات ومقالات عن أزمة التخطيط في هذا الوطن، وأسبابها، بل وطرق حلها؟! هم كثيرون، ولكن لا يوجد في المقابل وزير أتى معلناً المضي في خطط الوزارة، أو مثنياً على أداء من سبقه، أو وضع لبنة إضافية فوق اللبنة الأولى بدلاً من إزاحتها؟!! لأن الجميع متمسك ومصر على لغة “الأنا”، وعلى خصخصة الوزارة والأداء والإنجاز ولأن الجميع ينطلق من اعتقاد خاطئ وبالٍ “أنا وزير.. أنا صح”!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى