غير مصنف

«أنا جَعَانْ»

6سبتمبر2025

وهكذا يستشهد الطفل عبدالله أبو زرقة صاحب عبارة «أنا جَعَانْ»، ونحن نراقبه عن بُعد مُتخَمين وصامتين. لم يكن أمام هذا الطفل البريء من صرخة أو أداة احتجاج سوى أنه «جَعَانْ»، في مشهد أبكى وأدمى القلوب.
لكن هل يعفينا البكاء هنا أو وجع القلوب من المسؤولية عن جوع الطفل عبدالله أبو زرقة وآلاف غيره؟ وهل يُطفئ استشهاده «صحوة» ضمائرنا، التي ماتت بداخلنا، ومنذ أن تراجع فينا الضمير والأخلاق والنخوة والفزعة وكل شيء مما تصورنا أنه من صفات المسلم والعربي؟
جميعنا مسؤولون عن جوع الطفل عبدالله أبو زرقة، وكلنا ساهمنا بشكل أو بآخر في استشهاده، حين أطبق علينا الصمت تجاه ما يحدث في غزة منذ طوفان السابع من أكتوبر، بل حتى مساجدنا التي كانت تدعو لنصرة الإسلام والمسلمين في كل مكان، أصابها هي الأخرى داء الصمت، ولم تدعو لعبدالله ولا لغيره.
لا يوجد حياد في الموقف تجاه المجازر، والتمييز العنصري، وذبح الأطفال، المنازل، وإرغام الآمنين على الهجرة القسرية، فالحياد في هذه الحالة يُعتَبَر مشاركة غير مباشرة في الجريمة، أو كما قال الأسقف الجنوب أفريقي ديزموند توتو: «إذا اخترت الحياد في حالات الظلم فقد اخترت جانب الظالم».
ولم يحدث أن حدث تواطؤ وتجنّب المسؤولية الأخلاقية، قبل السياسية، على حساب حماية النفس، كما يحدث اليوم مع غزة.
تواطؤ رهيب منح الظالم قوة، ودفع الكيان الصهيوني لاستباحة كل شيء فينا، من القدرة العسكرية الى المواقف السياسية، بل وحتى الموارد المعيشية والمنافذ والمواقف الدولية، وكل شيء، أما أصعب ما استباحه الكيان الصهيوني، وبدعم مباشر من واشنطن، فقد كان الكرامة، التي إن تم إهدارها، فمن الصعب جداً إحياؤها من جديد.
نعلم أن في السياسة حسابات أخرى بخلاف الأخلاق والقيم، وندرك أن أمة العرب، وعبر أكثر من سبعة عقود، ومنذ أن زرعت بريطانيا الكيان الصهيوني بوعدها المشؤوم «بلفور»، قد تراجع موقفها التفاوضي والسياسي والدفاعي، حتى لم يبق منه شيء، ونُقِر بأن آلة السلاح والاقتصاد في العالم مملوكة للكيان الصهيوني، وتتحرك بأُمرَته وإرشاداته، لكن ما حدث في غزة حرّك العالم كله، وأعاد صياغة الأخلاق لدى دول اتخذت مواقف مُشرّفة تجاه الهمجية الصهيونية والعنجهية الأمريكية، من بلجيكا التي حظرت بعض شركائها من التعاون مع الكيان، الى استراليا وغيرها، دون ذكر تفاعل شعوب العالم مع جريمة الإبادة في غزة، حتى لا يكاد يمر يوم دون أن تنطلق المظاهرات والمسيرات، والقوافل البحرية المتجهة الى غزة، يحدث ذلك في ظل صمت عربي غريب ومحزن.
لقد تحركت الساحات الغربية لدعم غزة في مواجهة الهمجية الصهيونية، وذلك بدافع أن الحياد هنا جريمة وظلم، ويساهم في ترجيح كفة الظالم، وأن اللاموقف في قضايا أخلاقية وإنسانية يعتبر تواطؤاً صامتاً ودعماً غير مباشر تجاه قضايا واضحة لا تحتمل الجدل.
المفكّر الألماني ديترش بونهوفر، والمعروف بمعارضته للنازية، قال يوماً إن «الصمت في مواجهة الشر هو شر بحد ذاته»، ووفقاً لذلك يكون العالم كله مليئاً بالأشرار، الذين صمتوا وهم يشاهدون تجويع وحرق الأطفال في غزة وهم أحياء داخل المخيمات، وقتل الصحافيين، الذين يُفتَرَض أن قانون الصحافة الدولي يحميهم في مناطق النزاعات والحروب، وحجب المساعدات الطبية والغذائية، وصولاً الى قصف المستشفيات بشكل ممنهج، وتهجير ما يقارب المليوني شخص بعد هدم منازلهم، والقائمة تطول هنا حول جرائم الكيان الصهيوني ضد الإنسانية، وليس ضد اهل غزة وحسب.
حين صرخ الطفل عبدالله أبو زرقة متألماً وجائعاً وخائفاً، وأطلق صيحته «أنا جَعَانْ»، ليستشهد فيما بعد متأثراً بجوعه وألمه، تفاعلنا معه وبكينا وتألمنا، تمامًا كما حدث لنا مع محمد الدرة من قبل، ولكن سرعان ما عدنا لممارسة حياتنا اليومية، نأكل ونلهو مع صغارنا آمنين في منازلنا صامتين مستسلمين وعاجزين.
صرخة الشهيد عبدالله أبو زرقة، الذي ظهر في مقطع الفيديو الشهير باكياً «أنا جَعَانْ»، أصبحت رمزاً لمأساة الطفولة في ظل ممارسات التجويع المستمرة من قِبَل الكيان الصهيوني، لكنها ليست الصرخة الوحيدة، فهناك آلاف من أمثال عبدالله يصرخون متألمين يوميًا ويموتون وهم جوعى، ومع ذلك يبقى العالم على حياده وصمته، عاجزًا أمام العنجهية الصهيونية المجرمة.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:عبدالله أبو رزقة-التمييز العنصري-الموارد المعيشية-ممارسات التجويع

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى