
تضاعَفَ عدد الحفلات والمهرجانات والاحتفالات في العقدين الماضيين وبشكل لافت للنظر، ففي العالم كله لا تمر مناسبة إلا وتُنصَب فيها المسارح والمدرجات للاحتفال، سواء بالغناء أو بالرقص أو بأي شكل من أشكال الفنون، وتلك بلا شك ظاهرة جميلة ومفرحة، لكن هل حاول أحد منا أن يرصد الجماهير المُتابِعة لتلك الاحتفالات، كلها، وفي كل مكان، ترفع أجهزة الهواتف لتصوير الحفل أو الحدَث، وبثّه حياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وغيره، تغيّرت المتعة من متابَعَة للحفل وإصغاء للمغني أو الفنان وطرب للكلمات والموسيقى واللحن والأداء، إلى متعة مختلفة جداً، ولا علاقة لها ربما بالحدَث الفني، أصبح الجميع مراسلاً فنياً يبث عبر قنواته الخاصة تفاصيل الحدَث.
في المقابل، ترى جمهور الحفلات في السابق مأخوذاً ومنسجماً بالغناء والطرب، لا يشغله عن متابعة الأداء هاتف أو كاميرا أو أداة أخرى، ولا تزل حفلات أم كلثوم تخطف البصر والفؤاد بألقها وفخامتها، سواء كان ذلك على مستوى الحضور أو المؤدي.
يُحكى أن سقراط كان يخشى أن يؤثّر اختراع الكتابة على الذاكرة البشرية، وبشكل قد يؤدي إلى إضعافها، واليوم نحن نخشى على هذه الذاكرة البشرية أن تتم برمجتها وبشكل يُخفي معه الكثير من الملامح الجميلة، التي عادة ما تخزّنها الذاكرة حين تَتَعرّض لمواقف جميلة، أو تلتقط صوراً ذهنية لمناظر طبيعية أو للحظات نادرة من العلاقات البشرية بشكل عام.
المختصّون بعلم الذاكرة والدماغ يخشون من فقدان البشر لشيء من هذه الذاكرة، بفعل الاعتماد كلياً على التكنولوجيا في استرجاع واستدعاء المعلومات، فنحن اليوم جميعاً، على سبيل المثال، لا نذكر أرقام هواتف أصدقائنا أو أقاربنا، كما أننا بتنا نعتمد وبشكل شبه كامل على التطبيقات الإلكترونية في سيرنا وتنقّلنا، ولم نعد نحفظ أسماء الشوارع ولا أرقام المنازل ولا حتى الطرق المؤدّية إلى أماكن ربما نرتادها كل يوم.
لكن ما يخيف حقاً هنا ليس في اعتمادنا على الهاتف أو الإنترنت في شؤوننا اليومية وحسب، بل هو فيما أصبح يسقط من دفتر الذاكرة الجميلة من أوراق وصور وذكريات ولحظات محسوسة يسهل استدعاؤها، إلى ذاكرة إلكترونية مزدحمة بآلاف الصور ومقاطع الفيديو والتعابير المختَزَلة، أغلبها يضيع في هذه الزحمة ويختفي أثره، ولا يبقى منه شيء في الذاكرة البشرية المعتادة.
لم يعد الناس اليوم يستمتعون بحفل أو مهرجان أو طبيعة أو غداء مع الأصدقاء، فالجميع مشغول هنا في التقاط صور عبر الهاتف، وبثّها على أي موقع تواصل، وبشكل جعل الجميع يفقد دهشته بالعالم من حوله وبحركة الأشياء والأحداث، بسبب حالة نهم التصوير التي ربما تُشبِع لدى البعض رغبة الاستحواذ على كل ما يدور حولهم.
قبل المد التكنولوجي كانت الصور موجودة وليست افتراضية، تربطنا بأحداث سابقة وتحفّز أحلام اليقظة، فغالباً ما تكون في مكان آمن يسهل الوصول إليه، أما اليوم فإن آلاف الصور لم تعد تعني شيئاً، فهي معلّقة في الفضاء الإلكتروني، نسيناها كما نسينا أرقام هواتف أحبّتنا والطرق المؤدّية إلى منازلهم.
