أمن رخيص.. بالعملة الصعبة!!

أمن رخيص.. بالعملة الصعبة!!
من السذاجة أن يتصور أحد أن الإجراء العسكري الأمريكي، البريطاني الذي استهدف مواقع عراقية كثيرة، قادر على أن يحقق سلاماً أو أمناً أو استقراراً للمنطقة!! فمعوقات الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بالتحديد ليست في وجود أنظمة ديكتاتورية كنظام صدام حسين!! بل قد تكون المسألة عكسية هنا، بمعنى أن البُنية السياسية والاقتصادية للمنطقة هي التي تؤهل وتمهد لديكتاتوريات كالنظام العراقي لأن تنشأ وتبقى وتستمر!!
لذا فإن الحديث عن السلام الذي سيسود والاستقرار الذي سيتحقق بمجرد زوال صدام حسين أو الإطاحة بحزب البعث الحاكم في العراق، هو حديث في احتمالات وتكهنات لا جذور لها على أرض الواقع!! والاستقرار الذي يكون رهن بقاء أو زوال شخص أو نظام هو بلا شك استقرار رخيص وهش!!
لا أحد يتنبأ بعد بنتائج الإجراء العسكري على العراق، وهل سيستمر أم يتوقف؟ وإذا توقف فأين ستكون محطة الوقوف هذه؟!! ولكي نكون أكثر دقة، فنحن لا نملك رؤية واضحة حتى الآن، أو على الأقل عند كتابة هذا المقال!!
فالأزمة الحقيقية تكمن في أن هناك مفهومين مختلفين لشروط ومتطلبات الاستقرار في المنطقة، فبينما يشترط المفهوم الغربي للاستقرار على تأمين تدفق رخيص ومتواصل للنفط، وسهولة في حركة المنطقة، وتحجيم كل مصادر الأخطار المحتملة على إسرائيل، والقضاء على كل محاولات الرفض للدولة العبرية أو الامتناع عن التعامل معها، وتعزيز انصهارها في المجتمع السياسي العربي المحيط بها!! تأتي كل هذه كأولويات أوروبية – أمريكية نحو أي مشروع لتأمين الاستقرار في المنطقة!!
تنطلق شروط الاستقرار بالمفهوم العربي من زوايا تختلف تماماً عن ذلك!!
فمقومات الاستقرار تأتي من خلال نشر الوعي الديمقراطي، وتطوير الوعي بقيم كالحرية، والحقوق الإنسانية، والعدالة الاجتماعية ذات الطبيعة العامة والشمولية، وترسيخ حق الشعوب في تمثيلها لإرادتها الحرة!! وغير ذلك من مقومات أساسية في بناء أي مجتمع مستقر وآمن!! فمن الطبيعي والأقرب إلى الواقع أن مجتمعات تفتقد لتلك المقومات، ويسودها غياب في الوعي الديمقراطي والوعي بأهمية حقوق الإنسان، واحترام إرادته ستكون غارقة في انحطاط سياسي قادر على أن يفرز ويُنمي أشكالاً وأمثلة مختلفة على شاكلة ديكتاتور العراق!!
وانطلاقاً من ذلك فنحن لا نستطيع أن نتفاعل بصورة إيجابية مع هذا الإجراء العسكري، أو أي إجراء آخر مشابه لأنه لا يحمل أية ضمانات مستقبلية يستطيع أي شخص أن ينطلق منها نحو مشروع سلام واستقرار للمنطقة!! بل على العكس تماماً فإجراءات كهذه ستصب مباشرة في مخزون الكراهية والثأر، والحقد الذي أفرزه غزو النظام العراقي للوطن، وأججه دوماً وبصورة مستمرة المنتفعون من إشعاله، من المرتزقة الذين لا يستطيعون التنفس إلا في الأجواء الموبوءة، ولا يبرزون إلا في ظل استمرار وبقاء خفافيش الظلام مثل صدام حسين، وطارق عزيز وغيرهما!!
هنالك حقيقة واحدة، تأتي كشرط رئيس نحو توفير أدنى قدر من الخلاص للعراق، والاستقرار للمنطقة!! علينا جميعاً أن نأخذها في الاعتبار، وهي أن الإطاحة بصدام حسين أو بنظام البعث الحاكم كانت دوماً وستبقى أبداً مهمة الشعب العراقي وحده!!
وإذا كانت هنالك عوامل خارجية كإجراء عسكري، أو معونات مالية، فلن يتعدى دورها في مساندة الشعب العراقي في مهمته!!
لذلك فإن الإجراء العسكري البريطاني – الأمريكي الأخير لن يفتح طريقاً للخلاص في العراق ما لم يسبقه اتصال مع قوى معارضة من داخل الشعب العراقي قادرة على أن تتحمل عبء المسئولية في حالة حدوث أي تغيير داخلي سواء من حيث الإطاحة بصدام حسين أو بحزبه الحاكم!!
وقد تبرز هنا مشكلة أخرى، يفرضها من جديد ذلك الاختلاف الأساسي بين مفهوم الاستقرار العربي، وبين مفهوم وطبيعة الاستقرار المطلوب للمنطقة!!
فالمعارضة المؤهلة لأن تتحمل العبء العراقي فيما بعد قد لا تكون هي المعارضة المرشحة من الشعب العراقي صاحب الحق الأول والأخير في ذلك!!
هي إذاً قضية معقدة، تجعل من الصعوبة على أي متابع للأحداث أن يتفاعل أو يستبشر بأي خير تجاه أي إجراء عسكري، حتى وإن دكَّ كل القصور الرئاسية وجميع مخازن الذخيرة والسلاح!! فالمطلوب هو استقرار للمنطقة يوازي بقيمته حجم الآلام التي نزفتها شعوبها وأفرادها!! مما يجعل من إجراء عسكري كهذا عرضاً لمشروع رخيص وهش نحو الاستقرار والأمن المنشودين ندفع جميعاً ثمنه بالعملة الصعبة!!
