الأرشيف

أمن الوطن “بين الفعل.. وردة الفعل”

[جريدة الطليعة 1996]

جلسة الأربعة عشرة ساعة التي عقدها مجلس الأمة.. والتي خُصصت لمناقشة وبحث مسألة الأمن الداخلي للوطن.. حظيت على الكثير من التعليق.. سواء من أفراد لديهم الاطلاع والمعرفة القانونية لما يخص الجانب القانوني من الخطوط الرئيسية لموضوعات الجلسة والتي سمحت بها سرية الجلسة.. أو من مواطنين يقلقهم، كباقي أفراد الوطن، واقع الأمن المتردي والمتدهور منذ فجر التحرير.
لا نعلم كمواطنين بعد.. ما دار في الجلسة السرية.. ولكننا نستطيع القول وبثقة أن الوطن ليس بحاجة إلى قوانين جديدة.. فالقوانين التي بحوزتنا لو أنها طُبقت لما كان هذا واقع الأمن.
الخطوط الرئيسية التي سُمح بإعلانها.. لا تحمل في طياتها أي جديد.. وإن كانت تحوي أسلوبنا المألوف في ردة الفعل تجاه تفاقم وضع ما.. فالجلسة الأمنية السرية.. وما صاحبها من صخب إعلامي رسمي.. تذكرنا بذات الضجة التي قامت إثر قرصنة الاستثمارات.. فالكل عندها ندد.. وتحدث وكتب.. وعلق.. كما لو كان واقع الخطأ في استثماراتنا الخارجية جاء مفاجأة.. على الرغم من أن بوادر السرقات كانت قد فاحت رائحتها.. وأبلغت بها الجهات الرسمية منذ بداية غزو الوطن.. بل أن سيطرة البعض على شؤون الاستثمار الكويتية من الخارج كان دوماً مثار حديث الصحافة الأجنبية.. وتم التحذير منه مراراً.. من مستشاري الوطن والعارفين بالأمور الاقتصادية وكان بالإمكان الحد من تفاقم المشكلة.. باتخاذ القرار والفعل المطلوب آنذاك.. لكن المسألة ظلت تتشعب.. إلى أن أصبحت أقوى وأعنف من أن تُكتب فكان أن جاءت ردة الفعل الرسمية والشعبية المستنكرة لما حدث.. والمطالبة بإنقاذ الوضع.. والحد من التدهور.. جاءت متأخرة جداً!!
ونحن كذلك أيضاً في قضية الأمن الداخلي للوطن.. فعلى الرغم من أن قضية كهذه من المنطق جداً أن تحظى بالاهتمام الأول.. خاصة وأن الوطن خارج لتوه من احتلال عبث بكل مقومات الأمن والأمان.. إلا أن ذلك لم يحدث.. فبخلاف الواقع المتدهور للأمن والذي يحدثنا بذلك.. فقد أشار بعض أعضاء مجلس الأمة في جلستهم السرية ذات الأربع عشرة ساعة.. أشاروا إلى أن الوثيقة الوطنية للإصلاح والتنمية والتي أصدرها مجلس الوزراء بعد التحرير مباشرة.. لم تشتمل على أي فقرة تتناول الملف الأمني بأي معالجة.
قضية الأمن.. سواء الآن أو ما بعد التحرير مباشرة.. كان لا بد وأن تكون في سلم الأولويات.. وأن تكون الفعل والإجراء الأول الذي يُتخذ للحفاظ على حياة وأمن المواطن.. لا أن تأتي كردة فعل.. وبعد مضي ما يزيد على العامين في أجواء تمتلئ بالسرقات العلنية في وضح النهار.. والاغتصاب.. وتهديد السلاح والقتل.. علماً بأن أغلب السرقات التي تمت وخاصة للمنازل.. والممتلكات الخاصة.. جاءت في فترة ما بعد التحرير!!
لعلّ الجانب الأصعب الآن.. في مسألة الأمن الداخلي.. يكمن في غياب الثقة بجهاز الأمن.. وبالقائمين عليه.. فالتجاوزات الكثيرة من قبل البعض في الجهاز الأمني.. جعلت المواطن يشك في مقدرة مسؤول الأمن.. وفي جدوى الاستعانة به.. ولعلّ في الحادث الذي تعرض له أحد المواطنين في منطقة ضاحية عبدالله السالم ما يوجز ويؤكد هذا الإحساس.. وحيث اقتحم أربعة لصوص منزل المواطن.. والذي تمكن من الوصول إلى الهاتف والاتصال بمخفر شرطة الفيحاء.. والضاحية.. دون أن يحظى برد.. مما أعطى المجرمين الفرصة في الهرب.. والنفاذ من العقوبة.
وبجانب الثقة المفقودة في رجال الأمن.. فإن المفارقة العجيبة هنا أن المواطن الذي لا يأمن على نفسه وماله وعرضه في عقر داره.. قد جند له المسؤولون أمناً خارجياً.. تقدر تكاليفه بـ40 – %45 من إجمالي الدخل من النفط.. وذلك بحسب الدراسة التي قدمها المستشار الاقتصادي “جاسم السعدون” وذلك يعني أن المواطن الذي يحظى بحماية جندي تصل تكلفته السنوية 340 ألف دولار.. لا يتلقى إجابة على ندائه الهاتفي لمخفرين قريبين من منزله.
لقد سبق وأن أكد الجميع على أن الأمن مسألة غير قابلة للتجزئة.. وأنه مرتبط كذلك بأداء إدارات أخرى في الدولة بخلاف وزارة الداخلية.. وإن كانت تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية.. وأن الانتقال من هذا الوضع الأمني المتردي يتطلب توفر مجموعة من الشروط الأساسية.. كطرح المشاكل الأمنية من خلال أسئلة صحيحة وجدية.. إضافة إلى وجوب توفر المصداقية الكافية لمن يطرح الأسئلة.. ولمن يتولى الإجابة عليها. نحن بحاجة إضافة إلى ذلك إلى عملية نقد ذاتي لكل الأخطاء والسلبيات التي أدت إلى تدهور الوضع الأمني بهذه الصورة..
إن المتتبع لمعدلات الجريمة في الوطن.. بل ولنوع الجرائم التي أصبحت شائعة بعد تحرير الوطن.. لن يشك ولو للحظة واحدة في مدى التردي الهائل لجهاز الأمن الداخلي.. وعلى الرغم من كل ما قيل وكُتب عن وضع الأمن.. وبالرغم من كل الدلالات الصارخة على ذلك ممثلة ببشاعة وغرابة الجرائم التي ترتكب.. إلا أن جهاز الدولة بأكمله ظل دوماً يردد مؤكداً على استتباب الأمن.. وبحيث كان هناك ما يشبه التكتم والتستر على حوادث أمنية كثيرة.. إلى أن أصبح الوضع أكبر من أن يُنكر.. فجاءت ردة الفعل في اجتماع الأربع عشرة ساعة!!
إن المواطن الذي أصبح يقلقه أمنه وهو يتلقى أخبار الجرائم التي أصبحت شبه يومية.. لن يستشعر الأمن من خلال مثل هذه الجلسات الطارئة لمناقشة موضوع الأمن.. فالأمن ليس وضعاً طارئاً.. والحاجة إليه لا تولدها أحداث الفوضى والجريمة.. فالأمن حاجة أساسية.. إضافة إلى كونه حق للمواطن تؤكده كل الدساتير والشرائع والقوانين.. بل وكل اجتماعات وندوات الإنسان وحقوقه.
إن إنعدام الأمن قد وصل إلى مرحلة حرجة وخطرة في آن واحد.. فالسيارات تُسرق في وضح النهار ومن أمام البيوت.. واقتحام المنازل أصبح وارداً في كل أوقات النهار.. والمواطن الذي لا يملك حرساً خاصاً.. ولا سيارة نجدة مرافقة في جولاته.. هو بالتأكيد لا يتطلع إلى اجتماع طال أو قصر.. تستهلك عبارات الثناء والشكر للقائمين على جهاز الأمن الجزء الأكبر منه.. خاصة وأننا وكمواطنين في هذا الوطن.. قد تقلصت طموحاتنا الأمنية.. إلى ضمان سلامة أرواحنا.. وتأمين ممتلكاتنا حتى ولو كانت أمام منازلنا!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى