الأرشيف

أمن الوسط الديمقراطي

[جريدة القبس 1/10/2000]

الأسلوب الذي تعاملت به السلطات الأمنية مع طلاب قائمة “الوسط الديمقراطي” هو لا شك أسلوب عنيف ومحبط خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار الشريحة المجتمعية التي يمثلها هؤلاء الطلبة. فهم يشكلون أولاً الأداة التي نبني بها ومن خلالها مستقبلاً ديمقراطي السمة، وحر النزعة، والفكر فأحلامنا الدائمة بتدشين مجتمع ينتهج الكلمة كأداة للحوار، والتعبير الحر مدخلاً للنقد، وللإصلاح، أحلامنا تلك التي ناضل السابقون لكسبها، وكافح اللاحقون لحمايتها، واستمرارها، أحلامنا بمجتمع ديمقراطي الهوية، وحر الانتماء والفكر، أحلام جميلة نسعى جاهدين لتسليمها أمانة للأبناء من الشباب والشابات بلا زيف وبلا رتوش تطيح بها، وتقلقها بعض الممارسات التعسفية المسرفة في جهلها وتجاهلها.
اعتقال أجهزة الأمن ثلاثة من قياديي قائمة “الوسط الديمقراطي” وتعريضهم لتحقيقات حول انتماءاتهم السياسية، ثم الطلب منهم تفسير بعض الجمل التي احتواها برنامجهم الانتخابي يعتبر إرباكاً وتهديداً لجهد سنوات طويلة أمضيناها في تلقين جيل الشباب والطلبة أهمية العمل النقابي ودورهم في إثراء النهج الديمقراطي، فالمناهج التعليمية تعج بالدروس والعبر حول الحاجة إلى بناء قنوات حوار راقية وحضارية، وحول أهمية الاستماع للآخرين، واحترام آرائهم. ثم التركيز من خلال تلك المواضيع والعبر على دور الشباب في عملية البناء، ودورهم بالتحديد في الحفاظ على إرث الآباء، وحصيلة نضالاتهم الطويلة.
إن الأمن الذي تطيح به أو تهدده شعارات طلابية، أو برامج انتخابية هو بلا شك أمن هش وبحاجة إلى دراسة وبحث. ولا نتصور أن أمراً كهذا يخفى على أجهزة أمن الدولة، أما إذا كان الهدف من وراء اعتقالات الطلبة إرهابهم وإذلالهم وتقليم أظافرهم، فإن ذلك لن يكون في مصلحة أحد على الإطلاق، بمن فيهم جهاز أمن الدولة ومحققوه.
فالدولة بمؤسساتها المختلفة، تعليمية أو عملية، ترتكز في أدائها على المواطن الواثق صاحب المبادرة القادر على إدارة الأمور بحكمة وثقة، وصلابة، وليس على المواطن الخانع الذليل الخائف، المتحرك والمتصرف بالتبعية، وليس بالإرادة الحرة والاختيار الحر النزيه والمطلق. لكن على ما يبدو فإن ذلك ليس من أولويات جهاز أمن الدولة، بل ولا يحتل بنداً في أجندتهم، فالإرهاب الذي مارسه محققو أمن الدولة في محضر استجوابهم للطلبة المعتقلين يؤكد على تواضع إن لم يكن غياب تقديرهم للمواطن ولحقوقه السياسية والفكرية.
حين تم إغلاق محكمة أمن الدولة منذ فترة، تفاءلنا جميعاً بالخير، واعتبرنا ذلك بداية لمرحلة نصنع فيها مقاييس حضارية لأسلوب التعامل مع المواطن والفرد، مقاييس تكون متناسبة ومتناسقة مع نهجنا الديمقراطي الحر بشكل عام، خاصة في ظل ما نشهد من أهمية وتقديس لدور الفرد ولحرمة حريته ومعتقداته، وهي أهمية أصبحت مضاعفة مع سيطرة مفاهيم الحرية والحقوق الإنسانية على أغلب المجتمعات البشرية المعاصرة. وانطلاقاً من ذلك التفاؤل، فقد نشط الفرد الكويتي في التعبير عن آرائه ورؤاه، ولمسنا ذلك جيداً في صحافتنا المحلية، وفي منتدياتنا الفكرية، وكان أن تسلل ذلك التفاؤل بطبيعة الحال إلى الساحة الشبابية والطلابية، وانعكس على نشاط ساد الانتخابات الطلابية التي أصبحت أكثر التزاماً ومسؤولية، وأخذت تطرح برامج انتخابية واعية ويقظة.
إذاً، النشاط الطلابي الذي رأت فيه أجهزة أمن الدولة إرهاباً وتعكيراً لصفو الأمن، هو جزء من ذلك اليقين الكويتي بدور الفرد ومسؤولياته، ومن قلب ذلك اليقين انطلقت قائمة “الوسط الديمقراطي” مذكرة الشباب بدورهم في المسؤولية، وإذا كان في برنامج “الوسط” الانتخابي ما يقلق أمن الدولة فلا أمن إذاً كان لنا، ولا أمان.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى