شئون دولية

أمركة.. وليست عولمة!

أمركة.. وليست عولمة!

زرت، أخيراً، العاصمة التشيكية براغ بعد أكثر من ثلاثين عاماً على زيارتي الأولى لها، العاصمة بالطبع تغيرت كلياً، فقد خلعت زيها الشيوعي الصارم، وارتدت زياً رأسمالياً راقصاً كان واضحاً على معالمها وأسواقها وهيئة سكانها وزوارها!
أول ما يشد انتباه الزائر إلى براغ أو أي مدينة شيوعية سابقة مثل بكين مثلاً، أو مدن يوغسلافيا المفككة هو أسماء العلامات التجارية الأمريكية من مطاعم ومقاه ومحلات وبضائع، ففي كل حي وزاوية هناك “ستاربكس” أو “ماكدونالد”، بحيث أصبحت هذه العلامات التجارية تنافس المأكولات المحلية والمقاهي القديمة!
في منتصف الثمانينيات ومع ذروة نفوذ وتمدد الشركات المتعددة الجنسيات، والتي كانت توصف بكونها دولاً بلا إعلام، كناية عن نفوذها وسلطتها، في ذلك الوقت برز مصطلح جديد تم تداوله إعلامياً بشكل ملحوظ حول أمركة العالم أو The Americanizafion of The world، واستمر هذا المصطلح دارجاً ومتعارفاً عليه إلى أن سقط جدار برلين عام 1989، وبدأت مع منتصف التسعينيات ثورة الإنترنت وأدوات التواصل، فظهر معها مفهوم “العالم القرية”، ليتحول في ما بعد إلى مصطلح “العولمة” الذي ما هو في الواقع سوى “أمركة” للعالم!
واضح أن الولايات المتحدة، ومعها معسكر الغرب، تعمل جاهدة وبحماس على نشر ظاهرة العولمة وترويجها من خلال نشر سلعها وبضائعها، و”عولمة” رأسمالها من خلال الاستحواذ على منابع الطاقة في العالم والمواقع الاستراتيجية والتسويقية فيه!
لا نريد أن نعود بالتاريخ بعيداً ونذكّر بأن مركز التقدم والحضارة الأمريكي قد قام على جماجم ومجازر سكان أمريكا الأصليين قبل أن يتم استيراد مئات الآلاف من البشر المستضعفين من أفريقيا لزراعة أراضي أمريكا الشاسعة! لا نريد ذلك، وإنما سنستشهد بأمثلة معاصرة على ذلك، منها ما يحدث من تلوث خطير ومخيف في الصين وفي دول شرق آسيا، حيث تم نقل مصانع الغرب إلى هناك بسبب تدني أجور الأيدي العاملة، وهو ما أدى إلى وصول درجة التلوث في الصين مثلاً، خصوصاً في شنغهاي التي تعج بمصانع العلامات التجارية الغربية، إلى مرحلة الخطر على المواطن فيها.
قد تنبأ كارل ماركس قبل 150 عاماً بطبيعة الاقتصاد العالمي الرأسمالي في القرنين العشرين والحادي والعشرين، مستنداً بذلك إلى تحليل المجتمع البرجوازي من خلال التطور الرأسمالي على المستوى العالمي، وأكد أن ولادة الاقتصاد الدولي المعولم أمر لازم لتطور الإنتاج الرأسمالي، وتنبأ بأن هذه العملية ستولد وتفرز نزاعات عنيفة وأزمات اقتصادية مدمرة ومظالم وكوارث اجتماعية على نطاق واسع.
ها هي نبوءة كارل ماركس تتحقق، وها هي “أمركة” العالم تأتي متخفية تحت ستار “العولمة”!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى