أكذوبة التخلف العربي

أكذوبة “التخلف” العربي
في تصريح لمدير وكالة المخابرات الأمريكية “جون دويتش” نشرته “الطليعة” في 6 نوفمبر 96 أكد فيه أن أمريكا والتحالف الدولي يدركان أن الأمور ستكون أفضل للعراق ولجيران العراق إذا أطيح بصدام حسين من مركزه. إلا أن ذلك لم يكن هدف بلدنا “يقصد الولايات المتحدة” أو هدف التحالف الأوسع لإحلال شخص آخر محل صدام حسين.
قد لا يكون في حديث مدير المخابرات المركزية جديد يذكر، فلقد سبق وأن أكدت مصادر رسمية أمريكية من قبل تلك الرؤية، وأعلنت مراراً أن الإطاحة بصدام حسين لم تكن أبداً هدفاً من أهداف التحالف الدولي، وهو أمر يعزز الفكرة الداعية إلى خلق تحالف عربي يعمل على إنقاذ العراق، وإنقاذ المنطقة بوجه عام. خاصة بعد التدهور الذي أصاب القرار العربي لأسباب ذات صلة مباشرة بالأحداث التي فجرها غزو الوطن وما تلاه من تداعيات لا تزال قائمة.
غير أن المؤسف أن ردود الفعل العربية وبوجه عام على ما أصاب المنطقة بأسرها، كانت ردوداً مستسلمة وخانعة. بررت ذلك التدهور بكونه جزءاً من “تخلفنا” السياسي والاجتماعي حتى لقد انعكست تلك الرؤية على المواطن الذي أصبح شبه مستسلم لقدر “التخلف” الذي يروج له البعض كأساس وواقع في بناء مجتمعاتنا السياسية والاجتماعية به عام.
قد لا نكون بالفعل مجتمعات متطورة ومتقدمة بمفهوم التقدم التكنولوجي الحديث، والتطور الاجتماعي الذي تعيشه مجتمعات أخرى. غير أننا وبكل تأكيد لسنا مجتمعات متخلفة، ولسنا إرثاً من مخلفات العصور الوسطى تنخر فيه الأمراض، وتفتك به عوامل الفقر.. وكما يحلو للبعض أن يردد دائماً ويصر.. ومن ثم يصدق!!
وإذا كان للتاريخ غفلته التي دخلت منها ديكتاتوريات الأنظمة العربية، والمفسدون من مثقفي السلطة، وشعراء السلاطين، فإن حاضرنا القريب يسرد أياماً مضيئة ومشرقة أخرجت عقولاً مستنيرة.. وضمائر يقظة حية من الخطأ علينا جميعاً أن نعتبرها تاريخاً مضى!!
ونحن هنا بلا شك لا نتحدث عن أرقام فلكية من التاريخ والزمن.. بل عن حاضر عاشه ويعيه أغلبية المعاصرين للمرحلة الراهنة، ولا تزال آثاره باقية حية في رجالات سياسة وعلم، تستعين بهم مجتمعاتهم.. وتفخر بهم، والعالم من حولنا مليء بكفاءات عربية في مجالات عديدة.. هم بلا شك نتاج لتربة لا تزال خصبة، ولواقع لا يزال قائماً في مجتمعاتنا العربية.
لقد كانت لنا جميعاً فرص لقاء بكفاءات عربية دفعها رعب السلطة وبطش النظام لأن تهيم في أرض الله الواسعة، كفاءات استطاعت أن تخلق مجتمعات ثقافية وأدبية نحرص جميعاً على متابعة إصداراتها ومؤلفاتها. وهي وإن كانت قد طرحت تلك المؤلفات في أسواق الغرب ومنتدياته، فإن عقولها تبقى نتاجاً لمجتمعاتها والتي أجبرت على هجرها.
إن الأرض التي أخرجت كل هؤلاء الرجالات لا تزال موجودة في العراق، وفي مصر، وفي لبيبا، وفي السودان، في البحرين وفي عمان. وتلك حقيقة نتيقن منها عند كل لقاء لنا بشاعر أو مبدع، بعالم أو بطبيب عربي دفعه الخوف لأن يمارس إبداعه بعيداً عن أرضه وأهله.
لقد أصبح الانصياع لقدر “التخلف” الوهمي ظاهرة عربية خطيرة. وأصح الخضوع لأكذوبة “الأمر الواقع” ملجأ الساسة ومدخلهم في كبت كل مشاريع التنمية والنهوض وذلك في سبيل تحقيق طموحات فردية ضيقة.
يبقى إذن أن ندرك كشعوب أن الأرض التي أخرجت رجالاتنا المبعثرين على وجه المعمورة لا تزال رطبة ندية، وإن أول مفاتيح القدرة على البناء والعمل، هي الإدراك لتلك القدرة. وإن الاستكانة لـ”التخلف” كمصير وقدر محتوم، واجترار الأزمات وإدمانها.. سيجعلنا في نهاية المطاف محاصرين بمحض إرادتنا ومكبلين باختيارنا ورغبتنا، وأسرى لقيود من صنع خيالنا وإرادتنا!!
