أكاذيب تكشفها الحقائق

أكاذيب تكشفها الحقائق
أجرت قناة “المستقبل” التلفزيونية في الأسبوع الماضي لقاء مع المذيع المخضرم أحمد سعيد، حيث استضافه البرنامج الشهير “خليك بالبيت”، تحدث أحمد سعيد فأطربنا حديثه في البداية، والذي تناول فصولاً ومشاهد من ثورة يوليو المصرية، وأعاد إلينا حواره ذلك الجانب المشرق من الوعي والإدراك العربي محملاً بمجموعة من أغاني الثورة الحماسية التي لخصت الواقع العربي آنذاك وطبيعة العلاقات العربية – العربية! وبالطبع فقد كان نصيب حرب 1967 وافراً من ذلك اللقاء، حيث استطاع أحمد سعيد أن يراوغ ويتهرب ما استطاع من تهمة تأجيج مشاعر الشارع العربي وإشعاله بروايات لا تحاكي الواقع، وبتصريحات لا علاقة لها بحقيقة المعارك آنذاك والوضع العسكري الفعلي للجيوش العربية!
وإذا كانت ذكريات أحمد سعيد الإعلامية قد أطربتنا في البداية! فإنها جاءت فيما بعد بأحاديث أحزنتنا وبكل أسف! فعلى الرغم من أن أحمد سعيد لم يقلها صراحة ولا جهراً، إلا أن حديثه كان ناطقاً بها! حيث ألقى المذيع الثوري باللوم على دول الخليج في فشل المشروع القومي! مشيراً إلى فشل الملك فيصل من قبل في توحيد الكيانات الخليجية مما يؤكد عدم وجود توجه قومي في الخليج!
ونحن هنا لا ننكر على أحمد سعيد اعتزازه بالدور المصري في إحياء المشروع القومي، بل ونضيف بأن مصر هي المنبع الأول لذلك المشروع، والذي تبناه الزعيم العربي جمال عبدالناصر في الخمسينيات! لكننا نستنكر على أحمد سعيد الإعلامي الثوري “غفلته” عن ظروف دول الخليج آنذاك، والتي كانت تتشكل باتجاه بناء الدولة السياسي، وبالكاد خرجت من نسيج القبيلة الضيق بعد أن توسعت دولها سكانياً ومعمارياً ومالياً!
وعلى الرغم من أن دول الخليج كانت في بداية التشكل والتكون والانطلاقة، إلا أنها لم تخلُ من وعي قومي، وإصرار على الانتماء العربي سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، حيث كانت الأحداث العربية تطلق المواطنين في مظاهرات تأييدية لكل إنجاز قومي آنذاك! إذن، لا مبرر لإسقاطات أحمد سعيد تلك وتلميحاته إلى الدور الخليجي المتخاذل عن نصرة المشروع القومي، خاصة وهو يعتذر لفشل الوحدة بين مصر وسوريا، والتي يرى أنها كانت ضحية للمؤامرة، بل هو يرى في إسقاط مشروع الوحدة ذلك خير مثال على نظرية المؤامرة والتي كانت موجهة إلى المشروع القومي بشكل عام!
ويمضي أحمد سعيد في تهميش الدور الخليجي في النضال العربي، بل وفي تهميش أي دور آخر بخلاف دور مصر في إدارة المعركة ورعايتها، مذكراً بأن مصر هي الوحيدة التي قدمت بشراً وضحت بعناصر بشرية في سبيل النضال العربي ضد المشروع الصهيوني! وذلك بلا شك إجحاف بحق الدول الأخرى المساهمة بشرياً وعسكرياً في المعارك العربية، بما فيها دولة الكويت والتي قدمت بشراً في معارك الـ 67 و73، حين امتزج الدم الكويتي مع الدماء العربية في سيناء! وتلك ليست منّة، بل هو دور أملاه الوعي القومي في الكويت، وواجب يفرضه الضمير العربي، ودورها على الخريطة، وما شهداء الكويت الذين سقطوا فوق تراب سيناء سوى تأكيد من الكويت كدولة خليجية على ضرورة المساهمة البشرية في كل ما يتعلق بالدفاع والذود عن المشروع القومي! لكن ذلك وبكل أسف ما لا يراه “أحمد سعيد” والذي أجاب عن سؤال طرحه المذيع حول المساهمات المالية في المعركة، وعن دور دول الخليج بالتحديد في دعم المعركة العربية مالياً.
حيث أجاب قائلاً إن المعركة “مش فلوس”، نافياً بذلك أي دور غير عسكري في النضال العربي وحروبه ضد إسرائيل!
نحن جميعاً لا ننكر التضحيات التي قدمتها مصر للمشروع القومي العربي، وللنضال العربي بشكل عام! لكن مصر التي نعرفها، لا التي يتحدث باسمها أحمد سعيد، قد حملت لواء العرب ورداء العروبة من البداية وتبعها في ذلك كل كيان وكل دولة عربية، فهي التي حملت راية المعركة والنضال، وهي التي وحدت العالم العربي تحت راية المشروع القومي، حتى قيل إن “لا حرب دون مصر”، وبالفعل فقد سكتت الحروب بعد أن دخلت مصر في “عصر وحقبة السلام”!
لم يفشل المشروع القومي بسبب نظرية المؤامرة، أو نظرية الغفلة، وكما يقول أحمد سعيد، وإنما بسبب استسلام عناصر الفكر القومي وقياداته، وتراجع سلوكهم القومي بشكل عام! أما السبب الأقوى فهو في سيادة الأكاذيب التي حتماً ستكشفها الحقائق فيما هو قادم من الزمن ليعود لمشروعنا القومي العربي وجهه النضر وضميره الذي طال غيابه!
