غير مصنف

أفلاطون والانتخابات!

[جريدة القبس 18/6/2003]

لن يستطيع أحد أن يكتب في غير موضوع الانتخابات في هذه الأيام، فالأجواء مشحونة بصراع التيارات السياسية، والناس لا يتوقفون عن ضرب التكهنات حول هوية القادمين إلى مجلس الأمة، والصحف مشغولة بإعلانات المرشحين وندواتهم، باختصار، الجو العام هو جو انتخابات، ولا مجال فيه لعرض أو اقتراح أي أمور أخرى على الرغم من أن الانتخاب حق يمارسه 136 ألف فرد من أهل الكويت فقط، بينما يبقى الآخرون في خانة المتفرجين!
موسم الانتخابات، شأنه شأن كل المواسم، يشكل مصدر رزق ينتظره الكثير، فمن أهل الخيم والشاليهات الذين يؤجرون بضاعتهم لتكون مقار انتخابية للمرشحين وندواتهم، إلى أصحاب المطاعم وشركات الأغذية، التي توفر الولائم للمقار الانتخابية وطاقم الخدمة من الآسيويين المتمرنين على فنون التقديم والضيافة في الديوانيات الكويتية، إلى الخطاطين وأصحاب المطابع الذين يتفننون في طباعة اللافتات الانتخابية والدعوات الشخصية للناخبين! وكذلك أيضاً يشكل موسم الانتخابات رزقاً للصحافة من جرائد ومجلات تتنافس على الفوز بإعلانات المرشحين!
أن تكون إذاً مرشحاً وأن تخوض انتخابات مجلس الأمة ليس أمراً سهلاً من الجانب المادي، ولا نعني السياسي منه فقط، على الرغم من أن ذلك يأتي كشرط أساسي في الصلاحية للترشيح! إلا أن الاستعداد والمقدرة المالية أصبحا، وكما نرى من الاستعدادات الانتخابية الراهنة، أمراً يفوق في أهميته كل الاستعدادات والمقومات الأخرى!
حق الفرد في الترشيح لمجلس الأمة هو حق يكفله الدستور الذي يبيح لكل مواطن – طالما انطبقت عليه الشروط – أن يخوض انتخابات مجلس الأمة! وعلى الرغم من أن المقدرة المالية ليست من ضمن تلك الشروط إلا أنها، وكما نرى، تشكل عنصراً مهماً وأساسياً في الانتخابات التي يتطلب الاستعداد لها ميزانية تتجاوز آلاف الدنانير!
حق المواطن الكويتي في الترشيح لمجلس الأمة يشبه إلى حد كبير حق المواطن الأمريكي في الترشيح للرئاسة الأمريكية، فبحسب القانون الأمريكي، هو حق مفتوح للجميع، لكن الواقع يقول إن أصحاب الملايين من المواطنين الأمريكيين هم وحدهم القادرون على التنافس على مقعد الرئاسة!
يقارن الكاتب روجيه غارودي في كتابه “حفارو القبور” بين بيع مرشح الرئاسة وبيع معجون الأسنان، حيث يقول: “يعتبر مظهر المرشح أكثر أهمية من مشروعه ومن حججه ومنذ عام 1977، واستيعاباً لدروس الانتخابات الأمريكية في عام 1976، كتب ميشيل نوار، عمدة ليون والطامح للرئاسة في كتاب رائد للسياسة الاستعراضية في فرنسا: النجاح في حملة انتخابية هو باتباع النموذج الأمريكي، ويمكن أن نقرأ في هذا الكتاب ما يلي: “إن هدف مسؤول التسويق الذي يبيع معجون أسنان وهدف مدير حملة مرشح للرئاسة متطابقان: الإقناع بشراء منتجه أكثر من أي منتج آخر وأيضاً إذا كان النجاح يستلزم أن يكون المظهر أهم من الجوهر، وإذا كانت إجادة استخدام الوسائل الحديثة في الاتصال شرطاً أولياً للنجاح، إذاً فستفتح المهنة السياسية أمام جيل جديد: جيل النجوم ومن الآن فصاعداً، المهمة الأولى “للقائد” السياسي هي بناء صورته! هكذا إذن فتحت “سوق” جديدة لصناعة صورة عن طريق مستشارين للاتصال وتتكلف حملات الدعاية ملايين الدولارات، ومن يمولها ينتظر بفارغ الصبر ربحه من ذلك! لقد خلق اقتصاد السوق قوة جديدة (ديمقراطية) تتكون من الثالوث المقدس: رجال الحكم – رجال المال – ورجال الأعمال”.
يلعب المال إذاً دوراً أساسياً في العملية الانتخابية، وهو دور يصعب تجاهله أو إنكاره لأنه أحد أهم وأبرز منغصات الديمقراطية الحقيقية! ولأنه أولاً يفرض تجاوزاً واضحاً للحق المكتسب في خوض مجالات التنافس السياسي، وأيضاً لكونه، يقنن دائرة المؤهلين فعلياً للعب دورهم في العمل السياسي بشكل عام! وتبقى إذاً للديمقراطية نواقصها التي تحول بينها وبين الكمال، كما ورد في الفكر اليوتوبي في جمهورية أفلاطون الشهيرة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى