الأرشيف

أعيدوا محطة القرين

[جريدة القبس 10/8/2024]

فهمُنا للتمدّن وللحداثة وللتجديد تشوبه أغلاط كبيرة في أحيان كثيرة، فالحداثة لا تعني على الإطلاق هجر الماضي، ولا هدم التراث، والتجديد لا يحمل بالضرورة هيئة التحوّل ويشكل مسخاً أحياناً، كما أن التمدّن لا يأتي عبر التقليد، ولا من خلال الانسلاخ عن الموروث أياً كان.
تلفزيون الكويت الرسمي ألغى محطتين مهمتين بهذا الصدد، محطة القرين، التي تعنى ببث مشاهد من تاريخ الفن والمسرح والتراث الكويتي القديم، ومحطة العربي بما تقدمه من برامج ثقافية وأفلام وثائقية، والإلغاء حدث بعد أن تم دمج هذه المحطات في تطبيق واحد، يستطيع المُتابِع تحميله على هاتفة أو على جهاز التلفزيون الذكي.
لا اعتراض هنا على توظيف التكنولوجيا في الإعلام، وفي الترفيه بشكل عام، ولكن هنالك اعتبارات أخرى يجب أن تكون في حساب “المطوّرين” هنا، وهي أن أغلب متابعي محطتي القرين والعربي هم من الجيل، الذي لا يتعامل مع التكنولوجيا كأمر واقع، بل إن أغلبهم يتعامل مع التلفزيون بشكل عام، على أساس أن رقم واحد يعني محطة الكويت الرسمية، ورقم اثنين هو محطة القرين، ورقم ثلاثة يقودهم إلى محطة العربي، وهكذا، هؤلاء لن يقوموا بتحميل تطبيق وزارة الإعلام، الذي دمج تلك المحطات في تردّد يحتاج إلى دراية واطلاع، وفهم خبايا التكنولوجيا الرقمية بشكل عام.
التجديد، أي تجديد، وفي أي مجال، لا يعني نسف ما هو موجود، بل هو إعادة لابتكار الثقافة والفنون وغيرها من المجالات بطرق، تجعل الماضي يتفاعل مع الحاضر من دون أن يلغي أحدهما الآخر، فالماضي بكل صوره يشكّل قوة وطاقة متجدّدة ومخزوناً، يمكن البناء عليه لا هدمه وإنكاره، ففي كل العالم يستلهم الفنانون والموسيقيون من التراث روافد تصهر أعمالهم مع الحاضر، وبشكل يؤمّن ما يمكن وصفه بالاستدامة الثقافية أو التراثية أو الفنية، وليمتد بذلك جسر الإبداع والتجديد، رابطاً بين ثقافات وأجيال متباعدة زمنياً، ولكنها مترابطة ثقافياً وفنياً.
وليست هذه بالمرة الأولى، التي يتم فيها انتهاك التراث الفني والثقافي من قِبَل أجهزة الدولة الرسمية، فلقد سبق أن أوقف تلفزيون الكويت شارة رمضانية مُميّزة، امتد بها العمر لأجيال عدة، وذلك حين تم وقف موسيقى وأغنية “عادت عليكم”، والتي طالما اقترن رمضان بها، حتى أصبحت جزءاً من التراث والمذاق الرمضاني، تم حجبها من دون أي تبرير فني، ثم جرى وقف شارة الأخبار، والتي بدأت مع بداية تلفزيون الكويت، وأيضاً من دون إعطاء أي مبرر فني منطقي أو مقبول، أغنية “يا حماة العرين”، التي تحكي تاريخاً فنياً وسياسياً، وتعتبر من أجمل الأغاني، التي غناها شادي الخليج، وكتب كلماتها ابن الكويت البار الشاعر عبدالله السنان رحمه الله، كانت شارة تُعلن عن بدء النشرة الإخبارية، هي الأخرى خرجت، وتم وقفها في سباق التجديد المزعوم.
كما ورد أعلاه، لا خلاف حول أهمية التجديد في أي مجال، ولكن ذلك لا يعني إطلاقاً إلغاء طرف أو واقع في سبيل تأمين طرف أو واقع آخر، فالتجديد الصحيح هو عملية تفاعلية بين موروث ثقافي أو فني قائم، وبين ابتكار أو إبداع ثقافي مُستَجَد، بحيث لا يطغى جانب على الآخر ولا يلغيه، بل يثريه وبصورة تُتيح للجمال الفني والتراثي أن يصمد ويبقى شاهداً على مرحلة ممتدة جمعت كل الأطراف.
مسألة التفاعل الثقافي والإبداعي والفني لا تقف عند مجالاتها فقط، بل تتخطاها لتتحوّل إلى حالة تفاعل بين الأجيال، فالفنون والثقافة أدوات نقل فاعلة، والدليل هنا هو في إقبال شريحة الشباب على عروض تراثية في مسارح الأوبرا الكويتية، لم يعيشوا حقبها، لكن تواصلهم معها بقي مستمراً عبر قنوات كمحطة القرين وغيرها.
هذا المقال هو بمنزلة مُناشَدَة من قِبَل جيل الآباء والأمهات، بأن تعيدوا بث قناة القرين كما كانت، فلا تحلو جلساتهم الصباحية والمسائية إلا بمشاهدتها، والاستمتاع بتراث فني خالد ومُتاح للجميع وغير معقّد تكنولوجياً.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى