
قد يكون من الصعب جداً الكتابة حول موضوع الرسومات التي استباحت حرمة رسول الله c وذلك لحساسية الموضوع أولاً، أما ثانياً، فلأن أي رأي لا يتناول الموضوع من زاوية الإدانة فقط، سيتم تصنيفه بكونه متفقاً على ما تم نشره من إساءات.
لكن ما شاهدته في أحد البرامج الدينية التي تبثها إحدى الفضائيات، يجعلني متأكدة بأن مسألة كهذه، يجب أن يتم التعامل معها بشكل أكثر تنظيماً، لتثمر قرارات ورؤى صائبة ومثمرة، تحفظ لرسولنا الكريم مكانته في قلوبنا وتاريخنا وعقيدتنا.
خرج أحد شيوخ الدين في ذلك البرنامج ملوحاً ومهدداً بكلتا يديه، وداعياً الشباب والأطفال والصغار إلى الخروج في الجامعات والمعاهد والمدارس للتنديد بتلك الرسومات المسيئة، ثم يطلب من الأبناء الوقوف في وجه آبائهم وأهلهم إن هم قدموا لهم أي منتج يحوي في مكوناته ولو مادة واحدة صنعت في الدانمارك.
تلك ولا شك دعوة جاهلة ومندفعة، ولا تتحلى بأدنى درجات العقلانية المطلوبة في مسألة كهذه، التمرد على الأهل بهذه الصورة لن يجعل الطفل قادراً على الدفاع عن منزلة رسوله الكريم، وإنما ستنمو لديه عدوانية في الطرح حتى مع أقرب الناس إليه، أهله وعائلته.
قضية الرسومات المشينة بحق رسولنا الكريم، واجهت أكثر من ردة فعل، فبعض الجهات في الغرب رأت في الأمر حقاً تكفله حرية التعبير المطلقة في المجتمعات الغربية، بينما تعترض جهات مسلمة على مثل هذه الحجة، نافية أن حرية التعبير مطلقة في الغرب، ومستشهدة بالحظر شبه الرسمي على نشر أو كتابة أي معلومة عن قضايا حساسة في المجتمعات الغربية، كقضية “الهولوكوست” أو الإبادة الجماعية لليهود على يد النازية، والمقارنة بهذه الصورة ليست دقيقة على الإطلاق فالمجتمع الغربي استطاع بالفعل أن يحظر التعاطف مع هذه الجريمة النازية من خلال إبراز معاناة اليهود والتذكير دوماً بمعاناتهم وبحقوقهم، وما إلى ذلك من حجج ماهرة في طرحها وذكية في معالجتها.
لم تدعُ المجتمعات الغربية إلى مقاطعة الذين لم يدينوا الهولوكوست، ولم تحظر الكتابة في ذلك بالمعنى الصحيح! وإنما استطاعت أن تدير الدفة، تكسب تعاطفاً عالمياً مع ضحايا الهولوكوست وتحتوي حتى أشد المتشددين في قضية الآلام والمعاناة اليهودية.
ونحن بدورنا نستطيع أن نفعل ذلك وأكثر في دفاعنا عن رسولنا الكريم! فبدلاً من التظاهرات والتخريب والصراخ في إمكاننا أن نعرف الرسول c وأن نقدمه بصورته الناصعة للمجتمع الغربي، في إمكاننا أن نثقف أبناءنا ونزينهم بأخلاق الرسول c في الحوار والمجادلة ليقتحموا ساحة الجدال محصنين بالحجة والعقلانية والحلم في الطرح والتفكير بدلاً من أن نحرضهم على آبائهم ونوجههم لعصيان أهاليهم! في إمكاننا تكثيف الكتابة الموضوعية والمشوقة والموجهة للآخرين، التي تتحدث عن تاريخ الرسول c ودوره الرائد في بناء أمة الإسلام بدلاً من دعوة أشباه الشعراء والطامحين لأدوار البطولة لتثقيفنا في حب رسولنا الكريم.
لقد كشفت قضية الرسومات المسيئة للرسول c عن ضحالة قدراتنا على الإقناع بشكل عام! وهي فورة تنميها مدارك وملكات أخرى أولها التعليم وآخرها التعليم أيضاً.
