شئون دولية
أسطورة أونودا

أسطورة أونودا
هيرو أونودا، الياباني الذي يمكن النظر إلى قصته من جانبين مختلفين، الجانب الأول يتلخص في طبيعة الانضباط العسكري الذي ينشأ عليه الجنود حتى يصبح جزءاً من سلوكهم في ما بعد، أما الجانب الثاني فهو في مفهوم التعايش والانتماء لوطن ما، وكيف أن الإنسان قد يستشعر الغربة وهو في وطنه الأم، وبين أهله.الملازم ثان هيرو أونودا الذي قاتل في الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، ورفض أن يصدق أن الحرب قد انتهت، وأن الجيش الياباني قد خسرها، وقرر مع اثنين من رفاقه اللجوء إلى الغابات وشن حرب عصابات ضد العدو آنذاك! وعلى الرغم من محاولة اليابان إقناعه بأن الحرب قد انتهت، وذلك بإلقاء منشورات بهذا الشأن، إلا أن أونودا ورفيقيه ظلوا على إخلاصهم للإمبراطور والتزموا بتعهدهم والتزامهم العسكري، ولم يتخلوا عن مواقفهم القتالية التي أقسموا على الذود عنها.
تحولت قصة أونودا ورفيقه الذي بقي معه بعد عودة الثالث إلى اليابان، إلى ما يشبه الأسطورة، وتصور الناس أنه ورفيقه قد توفيا، فأوقفت عمليات البحث عنهما في عام 1959، إلا أن الأسطورة عادت إلى الحياة في عام 1972 عند مقتل رفيق أونودا، ولم يقتنع أونودا بالاستسلام رغم كل الجهود من قبل اليابان، إلا حين أرسلت طوكيو قائده العسكري السابق لإقناعه بالعودة وهو ما تم في عام 1974!
سر إصرار أونودا على الاستمرار في القتال، أنه، على حد قوله، لم يكن يفكر في شيء سوى تنفيذ الأوامر فقط!
يمكن للالتزام والانضباط لدى العسكري أن يصل إلى درجة العمى أحياناً ويتحول إلى حالة عقلية ونفسية تجعل الطاعة أمراً غريزياً في النفس وبغض النظر عن الظروف، ونحن في عالمنا العربي لا شك نلمس وعن قرب معنى مثل هذا الانضباط العسكري الذي قد يتحول أحياناً إلى كابوس في حق الشعوب.
الجانب الثاني الذي تعكسه قصة هيرو أونودا هو ما حدث في عام 1974، حين اقتنع أونودا بالاستسلام بعد زيارة الضابط الذي كان مسؤولاً عنه إبان الحرب، ليخرج مرتدياً زيه الرسمي الذي كان رثاً حينها بعد مرور 29 عاماً، وحاملاً بندقيته وسيفه اللذين كانا لا يزالان في وضع ممتاز، لكونه كان يعتني بهما كثيراً، وليستسلم واضعاً سلاحه أمام قائده المسؤول!
لكن أونودا عاد إلى وطنه غريباً، فاليابان تحولت إلى شبه مدينة أمريكية بمتاجرها وملابس نسائها ومقاهيها، أمريكا العدو الذي قضى حياته في محاربتها ومواجهة فكرها وقنابلها، امتزجت ملامحها بملامح وطنه الأم، اليابان، لدرجة جعلته يعجز عن التعرف على عاصمته طوكيو بعد قتال في الأدغال ضد الولايات المتحدة وجيوشها وفكرها، قتال امتد لما يقارب الثلاثين عاماً، كحرب قادها أونودا مع رفيقه من قلب الأدغال!
وبالفعل، فقد دفعته مشاعر الغربة داخل وطنه إلى عزلة جعلته يهاجر إلى البرازيل، حيث عمل مزارعاً هناك قبل أن يعود إلى اليابان في عام 1984 وتوفي سنة 2014 عن عمر يناهز الـ91 عاماً!
عاش أونودا مؤمناً بقيم ومُثُل، وصدمه واقع سياسي وفكري مختلف تماماً، أدى انضباطه العسكري إلى إدانته من قبل نفس الجهاز الذي أفنى عمره في خدمته، وخذله وطن دافع عنه وعن قيمه حتى آخر طلقة من سلاحه، فأصبح هو وقصته أسطورة لا يزال الناس يتداولونها بشيء من الدهشة!
