الأرشيف

أرض التيه

[جريدة القبس 10/6/2001]

تنشر “القبس” وعلى حلقات، ملفات من وثائق الخارجية البريطانية، أحد تلك الملفات تناول النشاطات الفلسطينية في الكويت، وفيه إشارة إلى القلق الذي كانت تعيشه لندن عام 1970، حيث أرسل السفير البريطاني آنذاك تقريراً إلى وزير الخارجية يحذر فيه من أن عدد الفلسطينيين في الكويت أصبح يعادل تقريباً عدد الكويتيين، أما مصدر القلق من وراء ذلك فيعود إلى أن الفلسطينيين مسيسون يؤيدون قضيتهم الوطنية وهم يتبعون تنظيمات مختلفة بينما غيرهم من الجاليات الأخرى غير منظم، كما أن الحكومة الكويتية تؤيد القضية الفلسطينية قبل غيرها من القضايا!
وتمضي الوثيقة في الإشارة إلى مكانة الفلسطينيين في المجتمع الكويتي، حيث تشير إلى أنهم يتولون مناصب مختلفة في الجهاز الحكومي والشركات ومختلف جوانب المجتمع الاقتصادي والمدني، كما يتمتع بعضهم بثقة القيادات الكويتية، ولهم نشاطات في حقل التجارة، وبالإضافة إلى ذلك فإن ممثلية منظمة التحرير موجودة على لائحة الهيئات الدبلوماسية المعتمدة في الكويت، ويجري إعداد وتدريب المنضمين إلى “فتح” على استخدام السلاح في مكتب يحمل صفة “الهلال الأحمر الفلسطيني” في منطقة حولي! ويمضي التقرير في الحديث عن المكانة والحظوة اللتين تمتع بهما الفلسطينيون في الكويت ولأعوام طويلة! إن كل من يقرأ تفاصيل تلك الوثيقة لن يستطيع أن يخفي دهشته أو فضوله لمعرفة الأسباب التي دفعت القيادة الفلسطينية وبعض أفراد الجالية الفلسطينية إلى التفريط بكل تلك الامتيازات مقابل رهان خاسر كالرهان الذي لعبته القيادة الفلسطينية وفصائل المقاومة على حصان بغداد الأهوج.
فخسارة الكويت، وبلا مبالغة، كانت ولا تزال الغلطة الأفدح في حسابات القيادة الفلسطينية لأسباب قد لا تتعلق بتفوق عسكري أو بجيوش جرارة، ولا بمكانة مميزة وبارزة أو بثقل سياسي حاسم يتحكم في موازين السياسة الدولية، وإنما لسبب بسيط، وإن كان لا يقل في أهميته عن كل ما تقدم وجرى ذكره! فالكويت كانت الحضن الدافئ والفيء الذي استظل فيه ما يقارب نصف مليون فلسطيني، عاشوا وتعلموا وعملوا وتزاوجوا، وانطلقت من ذلك الفيء شرارة المقاومة الفلسطينية التي احتضنتها الكويت دولة وشعباً، وولدت منظمة التحرير الفلسطينية التي دفع من أجلها الآلاف من الفلسطينيين دماءهم وأموالهم، ورسموا على ضوئها أحلامهم وآمالهم، لتتحول في ما بعد إلى مجرد حفنة من المنتفعين بالثورة والمتلذذين بعرق ودماء إخوانهم وأبناء جلدتهم!
وبكل أسف فإن تلك الحفنة الثرية لا تزال هي المسيطرة على مسار القضية الفلسطينية، وهي التي أحرقت العلم الكويتي في ساحة الأقصى الشريف أثناء تشييع فيصل الحسيني، وبعد ساعات قليلة فقط من احتضان الكويت لأول مؤتمر عربي يقاوم التطبيع مع إسرائيل ويدعم الانتفاضة ويساند أهلها.
من حق الكويت أن ترفض التعامل مع السلطة الفلسطينية بهيئتها القائمة، وبرموزها المخضرمة! ومن واجب الفلسطينيين أن يحاسبوا تلك السلطة التي تسببت في تشتيتهم وتبعثرهم في أرجاء الأرض، وبدون ذلك لن تكون هنالك أرضية ثابتة وصلبة للالتقاء من جديد أو لتفعيل أي نوع من العلاقات!
وبحسب ما ورد في ملفات وثائق الخارجية البريطانية، فإن الفلسطينيين عاشوا في الكويت كمواطنين ومارسوا كل أنواع الحرية وصنوفها مما أثار مخاوف الغرب وإسرائيل.
واليوم يشق نصف مليون فلسطيني طريقهم في رحلة التيه الجديدة بسبب مواقف السلطة الفلسطينية من غزو صدام حسين للكويت وهؤلاء بأيديهم، ولهم كل الحق في أن يسألوا عن المتسبب في إخراجهم من الكويت، وهؤلاء هم وحدهم الذين يستطيعون إعفاء الكويت من مسؤولية (الصفح) عن سلطة منظمة عرفات لأنهم يدركون جيداً حجم الخسارة الفادحة التي تكبدوها بسبب استمرار رموز السلطة ورؤوسها! والتي بعثرتهم في أرض التيه!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى