
الحج ركن من أركان الدين الإسلامي ورحلة روحانية يتجرد المؤمن فيها من كل شوائب الدنيا وخيلائها، وتتضاءل لدى الحاج كل متع الدنيا وزهوها ومغرياتها!
والحج مشعر من مشاعر الإسلام وجه الله بشأنه خطابه مباشرة للناس في قوله: F ﵟوَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٧ﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵗﵙﵜ .
وللحج أيضاً مغزى رائع في صورته، حيث يتساوى في الحج كل الناس وتتلاشى الفروقات ويقف الغني في صف الفقير ويلبس المترف لباس المحروم وتسقط كل الفوارق والحواجز الطبقية!
تلك هي شروط الحج وموجباته، وهي الشروط التي لم تعد قائمة، وبكل أسف، في حج هذه الأيام! مما أفقد هذا المشعر الروحاني مغزاه الرباني الرائع!
مع حلول موسم الحج تتنافس الفضائيات والإذاعات على بث البرامج والحوارات التي تتناول مآثر ومناسك هذا المشعر العظيم، حيث تركز تلك الحوارات أكثر ما تركز على مساواة الناس في الحج! وبأن المسلمين جميعاً يقفون متساوين كأسنان المشط وهم يؤدون مشاعر الحج!
لكن الواقع اليوم يختلف كل الاختلاف عن وصف تلك البرامج للحج! فالرفاهية المفرطة التي يمارسها بعض الحجيج أصبحت تتناقض وبصورة صارخة مع مغزى الحج الحقيقي! فالأسعار التي نسمع بها عن حملات الحج، سواء من الكويت أو من أي بلد عربي آخر، هي بلا شك أسعار مجنونة، والتنافس على توفير كل سبل الترفيه والرفاهية للحجاج أضحى المعيار الأول في تقييم الحملة! بل إن بعض إعلانات حملات الحج كانت منفرة ومؤسفة في آن واحد، من استقبال خمس نجوم لأفواج الحجيج تتصدره إحدى الفنانات المعتزلات من فنانات “الصحوة” إلى استنفار شره ومكلف لمطابخ الحملات، واستعداد مبالغ فيه في سكن الحجاج!
في حج هذه الأيام، لم يعد الناس سواسية كأسنان المشط وبكل أسف، بل هناك أناس يستمتعون بترف الأبراج والفنادق التي تحيط ببيت الله، وآخرون يتوسدون الأرصفة الأسمنتية! أناس تفسح لهم القوات الخاصة طريق الطواف ورمي الجمرات، وآخرون يصارعون الأمواج البشرية! أناس يحملون زادهم وطعامهم فوق رؤوسهم، وآخرون تفرد لهم الموائد بكل ما لذ وطاب!
لقد زادت ظاهرة التطرف الترفي في الحج بصورة تتطلب تدخلاً سريعاً لإعادة المغزى الحكيم والسامي من وراء الحج! وهو أمر لن يستطيع أولئك المدركون لأهمية التقشف والتجرد من مباهج الدنيا في الحج أن يحققوه بمفردهم! لذلك فإن المطلوب من الدول الإسلامية ووزارة الحج في المملكة العربية السعودية أن تضع شروطاً للحد من البذخ المبالغ فيه في حملات الحج.
وأيضاً في الترويج والإعلان للفنادق والمنازل المسرفة في الرفاهية التي أصبحت تشكل تناقضاً صارخاً مع مغزى الحج!
لقد حقق رسول الله c معجزة لم يسبقه إليها رسول ولا نبي، حين نجح في إلغاء الطبقية التي قسمت قريش إلى طائفة من الأرستقراطيين المترفين والمنعمين وطائفة أخرى من الفقراء والموالي والمستضعفين، وقد كانت أداته في تحقيق ذلك المجتمع المتساوي في الحقوق والواجبات، دين سماوي بليغ المغزى والهدف! أصبحنا وبكل أسف نناقضه، ونسير بعكس اتجاهه.
