
إبان أيام الاحتلال السوداء كان المواطن المرابط كما النازح، يسترق السمع إلى أساطير يرويها أباطرة المناقصات والمقاولات عن مخططات خيالية في سبيل إعادة الحياة للوطن في زمن قياسي، وذلك حين تأتي ساعة الحرية. لم تخل تلك الروح من عوامل التحدي لآلة الدمار التي عبثت بالوطن.. وإن كانت أيضاً تمتلئ بأحلام الربح والفائدة.. والربح اليسير.
ويأتي الواقع مخالفاً لأحلام ذلك البعض وتشاء العناية الإلهية أن تكون نسبة دمار البنى التحتية للوطن أقل بكثير من تقديرات سماسرة البناء والإعمار.. فتبدأ التبريرات في ما يتوهمه هؤلاء البعض من حاجة بعض مرافق الوطن للتغيير والتبديل.. وهي بذلك حاجة يبررها منطق الصفقات التي عقدت خارج الوطن إبان مرحلة الغزو. لا منطق الحاجة الفعلية ولا أولويات الإعمار والبناء!!
جميعنا سمع إبان فترة الغزو حكايات عجيبة عن مراحل الإعداد للعودة وصلت أوجها إبان فترة التحرير.. فسمعنا عن خزانات المياه البالونية العملاقة.. والتي ستعيد المياه إلى بيوت ومساكن الوطن بعد أن يكون جيش نظام بغداد قد حكم وفجر الخزانات الحالية.. وسمعنا عن المستشفيات المتكاملة المتحركة، والتي ستعمل بطاقة لا تقل عما سيكون جيش النظام قد أحرقه.. وسمعنا عن الجسور المتطورة والتي تفوق سرعة إعدادها ومدها جسور العبور المصرية، لتقام محل الجسور التي سيفجرها الغزاة.. سمعنا وسمعنا الكثير.. لكن الله شاء أن لا يتحقق الجانب الأكبر من تلك التوقعات.. وأن يعود الوطن بجسد يحمل دماراً أقل مما كان متوقعاً أن يحدث.. وإن كان الألم ما زال عالقاً في النفس والروح!! وهو ألم لم يشفع عند أولئك المقايضين الذين ولا شك خيب رجاءهم أن تتجمد صفقاتهم، خاصة مع بدايات التحرير والعودة.. حين كان جهد البناء محصوراً في عمليات إطفاء الحريق.. والتي ما إن انقضت حتى خرج علينا هؤلاء يطالبون بحصصهم المؤجلة.. متذرعين بحججهم الواهية ذاتها.
ولم يخطئ المراقب للوضع القائم الآن حقيقة ذلك، فعلى الرغم من أن مسيرة البناء التي خطاها الوطن في بداية الستينيات من هذا القرن قد وضعت أركان البناء الأساسي للوطن.. من طرق ومجار ومنافع.. ومعابر.. إلا أنه لا يمضي يوم إلا وتقتلع أرصفة الطرق لتبدأ عمليات الحفر ثم الردم. وعلى الرغم من أن عمليات الحفر تلك قد هدأت إلى حدا ما فيما قبل الغزو بفترة وجيزة، إلا أنها الآن قد عادت وبصورة مؤذية، حتى أن أحد الأرصفة قد تم نبشه وحفره ثلاث مرات في مدة لا تتجاوز العام الواحد، إحداها لزراعة بعض الأشجار، والأخرى لتغيير إنارة الشوارع!! وقد تمت كل تلك العمليات الثلاث، بعد أن كانت البداية بتغيير حجر الرصيف إلى الطابوق الذي أصبح يميز شوارع الوطن!!
على الرغم من ذلك.. فإن أحاديثنا تمتلئ بالإشادة بطرقاتنا ومشاريعنا، فلا يخلو تصريح لمسؤول من ذكر شبكة الطرق التي تنافس طرق أكبر العواصم في العالم، بل ولا يخلو شعر ولا موضوع قراءة في مناهجنا التعليمية من حديث عن النهضة العمرانية من طرق ومبانُ على الرغم من أن ما أنجزناه في ما يقارب الأربعين عاماً، هي عمر امتدادنا العمراني خارج السور، أنجزه بلد شاسع مترامي الأطراف من أشقائنا، حتى لا نذكر البلاد البعيدة، في فترة لا تتجاوز أعواماً قليلة!! بالرغم من وعورة الطرق عندهم وترامي المساحات.. وتباعد المدن!!
قد لا يوجد فينا كمواطنين من هو ضد تجميل شوارع وأرصفة الوطن، لكننا جميعاً ضد السرقات وعمليات التنفيع التي تتم باسم التجميل والتحديث، خاصة بعد أن استجدت أولويات كثيرة أحدثها الغزو والاحتلال، جعلت من حملة تغيير أرصفة الشوارع، تبدو ساذجة وغير عملية.. وفي وقت ما زالت فيه شبكات المجاري عاجزة عن أن تستوعب هجوم الأمطار الموسمية.. وكما حدث في الآونة الأخيرة!!
لن نقول إن سوء التخطيط هو وراء كل ذلك الهدر غير المدروس، فتلك حقيقة واضحة كوضوح الشمس. لكن نقول إنها أنانية المنفعة الذاتية، والتي يبدو أن امتدادها يضرب عميقاً في المجتمع، مما يجعل من تمرسها وتمردها أمراً لا يجرؤ على مناقشته أحد، حتى نوابنا الأفاضل، إذ يبدو، والله أعلم، أنهم ألغوا تضاريس الشوارع والأرصفة المتعرجة بفعل الهدم والردم.. حتى أصبحت معلماً من معالم الوطن!!
