
العلم نورٌ، هكذا تعلّمنا في الصغر، وهكذا ايضاً تأكّدنا في الكِبَر من صحة هذه المقولة، فمن سقراط، الذي أطلق على سلوكه اسم فلسفة، وعلى نفسه اسم «فيلسوف»، مما يوحي بأن التعلّم بحث متواصل من المعرفة من دون أي اعتبار لإيجاد الفِعل الصحيح أو لبلوغ غاية، مما يعني استمرار عملية التطوّر البشري حتى الموت.
من سقراط إذًا وحتى عصر الذرة والذكاء الاصطناعي وتداخُل علم الأحياء بعلم الفيزياء، والإنسان لا يتوقّف عن شغفه بالعلم والمعرفة بلا حدود ولا انقطاع.
لكن العلم والمتعلّمين طالما شكّلا خطرًا، خاصة على الأنظمة القمعية والدكتاتورية، التي يبدو أنها قد اكتسحت العالم من أدنى شرقه الى أقصى غربه، فالدكتاتور يكره الجماهير المتعلّمة، ولا يطيق التفكير النقدي، وهو ما نراه اليوم في سلوك ترامب وغيره من السياسيين الغربيين، الذين كنا نتوهّم يوماً أنهم يؤمنون بالحريات والديموقراطية، لنكتشف أنهم يلجؤون الى أسلوب دعاية مُعقّدة، ولكن مُستَتِرة، لفرض آلية «الضبط الاجتماعي الفكري» المطلوب.
بقي العالم العربي، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، شحيحاً في المتعلّمين والعلماء، الى أن شُيّدت المدارس والجامعات، فارتفعت نسبة المتعلّمين في الوطن العربي، لكن في المقابل زاد خطرهم، خاصة في ظل حركات التحرّر، التي تفجّرت بعد الحرب العالمية الثانية، مما استدعى استقطابهم وتهجينهم، إما من خلال دمجهم في مؤسسة السّلطة والنظام السياسي، أو من خلال نفيهم خارج حدود النظام، سواء بالاعتقال أو بمنع انخراطهم إداريًا ووظيفيًا في مؤسسات الدولة، لتتحوّل مقولة «كلما فَتَحَت الدولة مدرسة أغلقت سجناً» إلى نقيضها، لكن مثل هؤلاء المثقفين بقي أثرهم، ولا يزال خالدًا وأقوى بكثير من غيرهم من المثقفين، اللذين سرعان ما نسيهم التاريخ، ولعلنا بحاجة هنا للإشارة إلى أن المثقف لا يعني المتعلّم جامعياً فقط، بل قد تكون الثقافة الفطرية أحياناً أقوى وأعمق وأكثر تأثيراً، فها هو الشيخ إمام، ابن الأسرة الفقيرة الأعمى الذي أفقده الجهل نور بصره، يحمل في قلبه ذاكرة وطنية قوية، حرّكت الساحات العربية بعد هزيمة 1967، وليس الساحة المصرية وحدها، لتقوم فيما بعد، وفي منتصف الثمانينات، وزارة الثقافة الفرنسية بدعوته لإحياء حفلات شعرية لاقت قبولًا اجتماعياً كبيراً، ليبدأ بعدها جولته في الدول العربية والأوروبية، وليُشكّل، مع رفيق دربه أحمد فؤاد نجم، فريقًا يعبّر عن روح الجماهير والمستضعفين، حيث اختارته المجموعة العربية في صندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة، ليكون سندًا للفقراء.
لم يتسلّق الشيخ إمام ولا أحمد فؤاد نجم أكتاف المتنفذين ولا اصحاب المال، على الرغم من كل المحاولات والمساومات من قِبَل بعضهم بإمكانية الخروج من السجن، والذي دخله الإثنان مرات عدة، في مقابل التعهّد بعدم التجاوز شعريًا وغنائيًا، لكن الرفض كان خير إجابة منهما.
التعلّم والثقافة هنا لا تعنيان الشهادات العليا فقط، بل يأتي التعليم كذلك بالتلقّي والتدريب، ليُشكّل مدرسة لا تقل عن أي جامعة مرموقة، ويبقى المعيار الأهم هنا في الغاية والهدف من التعلّم، ومدى امتداد أثره، فتاريخ الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، كان تاريخ الغناء والشعر الاحتجاجي، الذي أحدَثَ نقلة نوعية في مفهوم المواطَنَة، ليس في مصر وحدها، بل وفي العالم العربي بأكمله. هؤلاء هم الذين يخشاهم البعض، بدليل عدم اعتراف الإعلام الرسمي العربي بأي منهما، فلا تُبث أعمالهما، بل يتداولها الناس من خارج الأسوار.
حزن أحمد فؤاد نجم على فراق رفيق دربه الشيخ إمام، وحكى قصة ذلك الفراق بجملة مؤثرة، قال فيها إن الشيخ إمام كان صوتي، وأنا كنت عينيه. لكن وبالرغم من رحيلهما، فإن أعمالهما يتم استدعاؤها في كل موقف وأزمة وحالة يمر بها العالم العربي.
لم يكن الشيخ إمام متعلمًا بالمعنى المُتعارَف عليه، ولم يكن أحمد فؤاد نجم رجل سلطة ونفوذ، لكنهما كانا مثقفين بالفطرة ووطنيين بالإرادة وشجعان بالانتماء للحق والعدالة، هما ليسا من طبقة المثقفين، الذين تم استدراجهم واستقطابهم، فبقيت كلماتهم حرة كما إرادتهم، وبقي الناس يستحضرونهم كلما خيّم اليأس على النفوس.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:أحمد فؤاد نجم-الضبط الاجتماعي الفكري-الشيخ إمام-الإعلام الرسمي العربي
