الأرشيف

أحلام سيدة جليلة

[جريدة الطليعة 17/5/1995]

سيدة كويتية جليلة في سنوات عمرها الطوال وحكيمة في فهمها لأمور الحياة بوجه عام!! أكلت سنوات الكد والتعب والحاجة في بداية حياتها جزءاً ليس بيسير من عمرها!! وأتت سنوات الخوف والقلق واللااستقرار على ما تبقى لديها من عمر تعيشه.. لا تطمع فيه بغير شيخوخة هادئة آمنة.. لا يقلقها صوت الحرب الذي أيقظها صبيحة الثاني من أغسطس.. وهي لم تغف بعد بسلام منذ ذلك اليوم!! حدثتني سيدتنا الجليلة بقلق عن القرار الأمريكي بشأن الحظر على إيران!! وما أقلقها في الأمر.. ليس الشأن ولا المصير الإيراني!! بقدر ما هو أمر ذو علاقة بالشكوك التي أضحت تراودها عن دورنا في هذا الوطن تجاه ما هو قادم!! شكوك بما قد يدار في الخفاء.. وبعيداً عن عين وإدراك المواطن.. لأسلوب التعامل مع ما نحن بصدده!! وهي شكوك ظلت عالقة في ذهن سيدتنا الجليلة.. كما هي دوماً عالقة في ذهن كل مواطن!! منذ أن فاجأتنا طائرات ودبابات جيش نظام بغداد.. في قلب دارنا!!
كثيرون ولا شك يشاركون سيدتنا الجليلة هذه مشاعرها.. ويؤيدونها في شكوكها وقلقها!! فالفاجعة التي داهمتنا صبيحة الثاني من أغسطس.. رافقها هم أثقل وطأة.. ظل كامناً في صدورنا عن طبيعة الأمور التي سبقت الكارثة.. وعن إمكانية تدارك ما حدث.. أو على أقل تقدير تخفيف وطأة المعاناة والخسائر النفسية والبشرية والمادية!! شكوك ساورتنا جميعاً.. وتكهنات كان عامل الإثارة والتكهن فيها أبعد ما يكون عن الواقعية والتصديق في أحيان كثيرة!! ساعد على ذلك السرعة التي تفجر فيها الوضع.. وعنصر المفاجأة الذي داهم الوطن.. صبيحة يوم الغزو!!
ثم جاءت محاولة إعادة عناصر الثقة المفقودة.. والتي بددها غموض ومأساوية صبيحة الثاني من أغسطس!! وأرست عودة الرمز الديمقراطي ممثلاً بمجلس الأمة.. أرست حق المواطن في الاطلاع على حقيقة ما حدث.. وفي معرفة عناصر التقصير ورموزه.. ليس للثأر منهم.. بقدر ما هو شعور لازم الجميع.. لمحاولة ربط تلك الشهور السبعة.. مع ما سبق من أحداث.. وما لحق فيما بعد!! حتى لا تبدو كالتاريخ مفقود الهوية.. وكالكابوس البغيض الذي علينا تجاهله.. كي نفيق منه.. وننسى أحداثه!!
جاءت تلك المحاولة.. من خلال تشكيل لجنة لتقصي حقائق الغزو!! سمعنا عنها جميعاً.. ويكن لها المواطن الكثير من التقدير المصحوب بالثقة.. والإدراك لصعوبة المهام القادمة!! لجنة تقصي الحقائق هذه.. فرغت مؤخراً من تقديم تقريرها العسكري الذي قدم عرضاً مفصلاً لأحداث يوم الثاني من أغسطس!! حيث أوضح التقرير تفاصيل للكيفية التي تعاملت بها الحكومة.. ووزارة الدفاع على الأخص مع الاجتياح العسكري العراقي!!
المؤسف في الأمر هنا ليس التفاصيل التي تضمنها التقرير!! وإنما المؤسف حقيقة أن تُمنع جريدة “الحياة” التي نشرت التقرير من الدخول إلى الوطن!! لتستمر بذلك عملية التمويه والتشكيك في مقدرة المواطن على التمييز.. ناهيك عن حقه في الاطلاع على حقيقة ما حدث!!
لم يأت التقرير العسكري بمعلومات إضافية لما أدركه المواطن منذ ذلك التاريخ.. فعناصر التقصير لمسها المواطن منذ صبيحة يوم الثاني من أغسطس.. وقبل أن تصدر في تقارير صاغتها لجان مؤهلة!! بل ولقد دفع المواطن الكثير الكثير من جراء ذلك التقصير العسكري والإداري قبل أن يطلع على أموره الفنية وخفاياه الإدارية!!
المواطن ولا شك يدرك جيداً أن المجابهة العسكرية مع جيش بغداد.. هي أمر مستبعد.. وغير واقعي.. وأن أسلوب التهدئة واللااستنفار الذي بدا مناقضاً تماماً للاستعدادات العراقية على حدود الوطن.. هو أمر يفرضه التباين الشاسع في حجم واستعدادات كلا الجيشين!! غير أن الذي يثير المواطن هنا ليس أموراً عسكرية فنية.. وإنما أمور معنوية تجلت في مؤشرات الثقة في مقدرة المواطن على التمييز.. سواء كان ذلك فيما قبل الكارثة.. أو في أثنائها.. أو الآن في محاولات التكتم على تقارير اللجنة المختصة بتقصي الحقائق!!
تجربة الغزو لهذا الوطن.. تقف شاهداً لمن يريد أن يتعلم ويتعظ بأن القوة العسكرية.. ليست هي دائماً القوة الحاسمة في ميزان الصراعات والنزاعات.. وأن هنالك قوى أخرى.. لا يقل ثقلها في ميزان الصراع عن القوة العسكرية!! غير أنها قوى لا تنمو إلا في جو وافر من الثقة والطمأنينة لا تشوبه الشكوك!! فهي قوى قد تحقق للمهزومين والعاجزين عسكرياً ما قد لا تستطيع أن تحققه للمنتصرين انتصاراتهم وتفوقهم العسكري!! ومن الحكمة أن يدرك المواطن أنه يتمتع بتلك القوى التي لا تقل عن جيوش وجحافل العدو!! لذا فإن اطلاع المواطن على مكامن القصور أو التقصير في قواه العسكرية يعطيه حافزاً لتنمية تلك القوى الأخرى.. هذا بالإضافة إلى ثقة مطلقة بأنه لن يكون عرضة لخديعة كبرى.. يشيدها على وهم كبير باستعدادات وقدرات شرسة للمجابهة.. بطائرات ومدرعات كانت قابعة في مخازنها حتى صبيحة الثاني من آب.. تلاشت معها أحلام سيدتنا الجليلة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى